قوة اللغة
ما أكثر الحديث عن ضعف اللغة العربية وإهمالها من أبنائها الذين لا يوفونها حقها من التقدير والاهتمام، ولقد تسبب الخوف على اللغة العربية في إنشاء مجامعها اللغوية على امتداد العواصم العربية، حفاظاً عليها من مخاطر التغريب التي لم تنقطع قط، ولا أظنها تنقطع ما ظل العرب على ما هم عليه من هوان التبعية السياسية والاقتصادية والضعف الذي لا ينكره أحد في مدى التنافس الصناعي الذي يجعلنا محبوسين في دائرة المستهلكين وليس المنتجين·
أذكرأن العالم الباكستاني المسلم محمد عبد السلام الذي حصل على جائزة نوبل في العلوم قدّم لكتاب برويز عن ''الإسلام والعلم'' بأنه لا توجد بنية تحتية كافية للعلم الحديث في العالم الإسلامى، وأن عوائق التقدم العلمي المتعددة والمتكاثرة أكثر من دوافعه والعوامل التي يمكن أن تدفعه إلى الأمام، ولم يكن محمد عبد السلام يشير إلى اللغة العربية في هذا المجال، وإنما كان يشير إلى العلوم الطبيعية، ولكنه بدون أن يقصد كان يضع يده على أحد أسباب ضعف اللغة العربية، فالمؤكد أن ضعف اللغة العربية راجع إلى ضعف أهلها وهوان مكانتهم في التاريخ، ويقترن بذلك غياب روح الابتكار والاختراع لعوامل عديدة، واضطهاد العلم والعلماء لأسباب كثيرة، والنتيجة هي حالة من التخلف تعيشها الأمة التي تعتمد على من سبقها في سباق التقدم الصناعي والعلمي، ولا يزال يسبقها بما يجعل هوة المسافة بين تخلفها وتقدم غيرها تتزايد يوما بعد يوم، وأحسب لهذا السبب أن نزار قباني كان على حق عندما قال ''لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية''·
إن قوة اللغة من قوة أهلها ودورهم الفاعل في التاريخ ولذلك قال علماء اللغة إنها مرآة مجتمعها، تعكس حاله المعرفي وعلاقات إنتاج العلم وأدواته فيه، وما غلبة اللغات الأجنبية علينا إلا لغلبة مجتمعاتها وتفوقها علمياً وصناعياً، وفي كل مجال يقابل مجالات تخلفنا التي تتكاثر يوما بعد يوم، رغم ما نداري به هوان تخلفنا من قشور الحضارة لا لبابها أو جوهرها الخلاّق والنتيجة مباهاة المغلوب برطان لغة الغالب، واللجوء إلى العناوين الأجنبية، ناهيك عن اللافتات ولغة الإعلام التي تخترقها اللغات الأجنبية دون مقاومة، وذلك بسبب ضعف مناعة الجسد اللغوي العربي الذي تناوشه سهام التغريب، ثم العولمة حاليا، من كل جانب·
ولا أمل في أي إصلاح أو حل جذري أو حتى علاج حاسم يعود باللغة العربية إلى سابق عهدها الخلاّق إلا بمواصلة التقدم العلمي لأبنائها واللحاق بركب التقدم، والتحول من وضع الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن التقليد إلى الابتكار وعندئذ، ينصلح حال اللغة مع انصلاح أحوال من يتكلمونها·