ذكرى قاسم أمين
الشواغل عن أن شهر أبريل الماضي كان يتمم السنة المائة على وفاة قاسم أمين وما إن تذكرت حتى عاودتني ذكريات الإعجاب بهذه الشخصية الاستثنائية في تاريخنا الثقافي، فقاسم أمين (1863 - 1908) واحد من رواد الاستنارة الاستثنائيين الذين ترتبط أسماؤهم بصناعة النهضة التي جعلت مصر الرائدة في مدى الاستنارة الذي لا نزال نتمسك به وندافع عنه، وقد أدرك قاسم أمين أن سر النهضة يكمن في مفتاحين أولهما التعليم وثانيهما المرأة، وكلاهما لا ينفصل عن الآخر في عملية النهضة أو الإعداد لها، ولذلك كان على رأس الداعين إلى إنشاء الجامعة الأهلية التي أصبح سكرتيرا للجنة التي قامت بتأسيسها، وظل يعمل من أجلها إلى أن توفاه الله قبل افتتاح الجامعة بقليل، فلم يستطع أن يشهد نتاج عمله الخالد في لجنة الجامعة التى تدين له بالكثير·
وكان عمله في إنشاء الجامعة هو الوجه المكمل لاهتمامه بقضية المرأة التي آمن بأن تحريرها هو تحرير للمجتمع كله، مثلما آمن أن بداية هذا التحرير هي التعليم الذي يرفع من وعي المرأة، ويجعلها قادرة على نيل حقوقها بنفسها، فأصدر كتابه عن تحرير المرأة سنة ،1899 فأقام الكتاب الدنيا ولم يقعدها، وظل هدفا لخصوم تقدم المرأة ودعاة إبقاء الأوضاع على ما هي عليه، فأصدر كتابه الثاني ''المرأة الجديدة'' لكي يكمل رسالته، ويؤكد ما أجمله في كتابه الأول الذي كان علامة جذرية بكل معنى الكلمة في حركة تحرير المرأة، ولذلك حرصت على إقامة مؤتمر قومي عام 1999 في المجلس الأعلى للثقافة حين كنت أمينه العام، وحرصت على جعل عنوان المؤتمر ''مائة عام على تحرير المرأة العربية''، وكان الهدف من هذا المؤتمر هو تأمل ما أنجزه المجتمع العربي في مدى تحرير المرأة العربية، عبر مائة عام كانت تفصل بيننا وصدور كتاب قاسم أمين وكان لهذا المؤتمر أصداؤه ونتائجه العديدة·
وها هي مائة عام قد مرّت على وفاة قاسم أمين الذي أراد تحرير المرأة العربية، وحلم بوجود المرأة الجديدة التي تتساوى والرجل في الحقوق والواجبات، وتنافس المرأة الجديدة في العالم المتقدم على كل مستوى وفي كل مجال·
مؤكد أن أحلام قاسم أمين لم تتحقق كاملة، وأن الطريق لا يزال شاقًا أمام المرأة الجديدة، ولكن الأسس الفكرية التي وضعها قاسم أمين، وواصل تأصيلها المؤمنون بقضية المرأة لا تزال باقية وفاعلة، تقاوم عوامل الردة والنكوص التي تستهدف المرأة على وجه التحديد، ما ظل تقدمها هو الأصل في تقدم المجتمع ونهضته·