قبل عقود قليلة فقط، كان كثير من الخبراء يجزمون بأن أرض الإمارات قاحلة، لا تصلح لزراعة خضار أو فاكهة، وأن أقصى ما يمكنها فعله هو الاعتماد على الاستيراد. إلا أن الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لم يكن يؤمن بالمستحيل. آمن بالأرض، وبالإنسان، وبأن الإرادة قادرة على قلب المعادلات، فحوّل الصحراء إلى واحات خضراء، ونثر المزارع على امتداد الوطن، وقدم دعماً غير مسبوق للمزارعين، لتصبح الزراعة ركيزة من ركائز التنمية.
اليوم، وبعد عقود من ذلك الحلم الكبير، تجني الإمارات ثمار رؤية استشرافية متواصلة، عززتها القيادة الرشيدة عبر تبني أحدث التقنيات الزراعية، وفي مقدمتها الزراعة المائية والذكية، لتتقدم الدولة بثبات نحو صدارة المشهد الاستثماري في قطاع الأغذية والمشروبات، وتكرّس مكانتها كأحد أعمدة الأمن الغذائي في المنطقة.
أحدث بيانات المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات «ضمان»، تؤكد هذه الريادة، إذ تستحوذ الإمارات على 45% من إجمالي عدد المشاريع الاستثمارية العربية البينية في قطاع الأغذية والمشروبات، و58% من إجمالي تكلفتها الاستثمارية. أرقام لا تعكس فقط حجم الاستثمارات، بل تعكس ثقة عميقة ببيئة أعمال مرنة، وبنية تحتية متطورة، وسياسات اقتصادية قادرة على جذب رؤوس الأموال وتوجيهها نحو قطاعات حيوية ومستدامة.
هذا التفوق الإماراتي لم يكن وليد المصادفة، بل نتيجة تخطيط استباقي ينسجم مع «الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2051»، التي تهدف إلى جعل الإمارات الأفضل عالمياً في مؤشر الأمن الغذائي، عبر تطوير إنتاج محلي مستدام، وبناء منظومة متكاملة للتصنيع الغذائي والتقنيات الزراعية المتقدمة، مدعومة بشبكات لوجستية عالمية المستوى.
ولا تنفصل هذه الريادة عن توجه الإمارات نحو اقتصاد المعرفة والابتكار، من خلال الاستثمار في التكنولوجيا الغذائية، وإنشاء مراكز بحثية وحاضنات أعمال متخصصة، في مسعى لا يقتصر على الاكتفاء الذاتي، بل يتجاوزه إلى تصدير المعرفة والحلول إلى العالم.
إن ما حققته دولة الإمارات في قطاع الأغذية والمشروبات، يؤكد أن الرهان على التخطيط طويل الأمد والاستثمار في الإنسان والتقنية هو الرابح دائماً. فمن أرض وُصفت يوماً بالقاحلة، إلى مركز إقليمي وعالمي مؤثر في الأمن الغذائي، ترسخ الإمارات معادلة واضحة مفادها أن الاستدامة ليست خياراً، بل نهج عمل متكامل.
ومع تسارع المتغيرات العالمية وتزايد التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد والغذاء، تبدو الإمارات أكثر استعداداً للمستقبل، وقد حولت الأمن الغذائي إلى فرصة للنمو الاقتصادي، والتكامل الإقليمي، وتعزيز حضورها لاعباً موثوقاً على موائد العالم.


