كل مَنْ لديه عُقدة نقص، وكل مَنْ يشعر بأنه وعاء فارغ، وكل مَنْ في قلبه غرض سيئ، وكل مَنْ يحب أن يكون حاضراً في الوجود، حتى ولو كان على حساب مصالح وطن، ومصير شعب، هؤلاء الأشخاص يسومون الشرف رخيصاً، ويهدرون الكرامة بوضاعة، لأنهم يعانون من عُقد ملء الفراغ الوجودي، وعدم المعنى الذي يرافقهم في حياتهم، هؤلاء أشخاص أصبحوا في غيهب الكراهية يهيمون مثل عناكب سامة، يشيعون الأخبار الكاذبة ويفرحون عندما يقرؤون ما يطلق عليه حديثاً (بالمتابعة) على المواقع الاجتماعية وهي ليست اجتماعية، بل هي بلوى مسكونة بفيض من الجشع الشخصي، بالشهرة المزعومة والتواصل مع الآخر، بسلاح الكذب والتدليس، والتهريج وخراب القيم ودمار المبادئ، قلنا منذ زمن بعيد بأن وسائل التواصل الاجتماعي وكل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة، والمرئية، هي مجرد سكاكين من الممكن أن نقطع بها البصل، أو التفاح، ومن الممكن أن نقتل بها بريئاً، المهم نحن وليس هذه الأدوات، كيف نكون، وما هي سجيتنا، وما هي تربيتنا وما هي عقولنا وقلوبنا، ونفوسنا وانتماءاتنا وأفكارنا؟ فهنا مربط الفرس.. الأفكار تدل على الانتماء، كما هي البعرة تدل على البعير.
اليوم وبلادنا تمرّ بحرب تشنّها دولة مارقة عدوانية، كارهة حتى لنفسها وشعبها، نشهد المُغرضين، والذين في قلوبهم مرض، يتطاولون حتى على المكتسبات الوطنية، ينتشرون مثل الجراد، ويمتصون الرحيق الأخضر من الشجرة المثمرة، ويرمونها بأحجار الحقد والكراهية، والجهالة غائرة في عقولهم، عميقة في ضمائرهم، ولا تجد ما يُردع هؤلاء، لأن مَنْ فقد الضمير غيّب العقل، وأمات القلب، وصعدت النفس الأمّارة إلى سطح المبنى الأخلاقي الهشّ، وراح ينعق وينقنق، ويملأ الدنيا نباحاً، ظنّاً منه أنه يستطيع تغييب الشمس وراء منخل الادعاء، والافتراء والهراء، ظناً منه أن بإمكانه أن يستمر في الكذب، ولا يعلم بأن حبل الكذب قصير، وأن العقال يحتاجه من عقل بعير التهور، والغثيان الفكري، واستطاع أن يُلجم بومة اللغو والعبثية، ويتوقف عن سرد الخرافة كوقاية له من عُقَد الدونية، ومركّبات النقص التي ركبت رأسه وتوغّلت، وغيّرت معالم آدميته، حتى صار المرء لا يفرّق بين هذه الأشكال، وبقية الدواب التي تسكن كوكبنا الأرض.
بعض البشر تستهويهم سرعة الانتشار بين الناس، وهم يحملون فيروسات العدوى الاجتماعية، ويكنّون الضغائن والمحن، في قلوب أتعبها الحقد، مثل ما يتعب الحمير الحملُ الثقيل، فلا تملك إلا أن تنهق، وترفع العقيرة عالياً، لعلها تستريح ولكن كيف؟ إنه علّام الغيوب الذي يستطيع أن يكشف أسرار كائنات خُلقت لتكون عبئاً على الوجود، وعالةً على العالم، وعاهةً مستديمة لا بدّ من بترها، وإلا ستكون هي العبء والعبث، والنار التي تحرق نفسها، كما تشوّه بدخانها جدران الآخرين.


