في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ كأس أمم أفريقيا، وتاريخ كل البطولات القارية، ستمضي الكأس السمراء أياماً في حضن منتخب توّجته المراسم بطلاً، قبل أن تعود إلى الفريق الذي اعتُبر خاسراً للمباراة، بقرار جريء صدر عن اللجان القضائية للاتحاد الأفريقي.
مَنْ كان مُحتفَى به في ذاك المساء الماطر، الذي بكت فيه السماء والقلوب على تبخُّر حلم المغرب في القبض على لقب هارب منذ نصف قرن من الزمان، هو المنتخب السنغالي الذي تُوِّج باللقب الأفريقي الثاني له، وما سقطت من الذاكرة الأحداث الفاضحة التي شابت ذاك النهائي، وقد عكّرت صفو الفرح الأفريقي مشاهد مؤسفة، بدأت بانسحاب لاعبي المنتخب السنغالي من أرضية الملعب، احتجاجاً على حكم المباراة وهو يحتسب للمغرب ركلة جزاء، وتواصلت بالشغب المُعلن من الجماهير السنغالية، وانتهت بالقرارات التي صدرت عن لجنة الانضباط داخل الاتحاد الأفريقي، ومنها غرامات مالية تسلّطت على المغرب، ورفض مُطلق للطعن المقدم من الاتحاد المغربي.
كان الاتحاد الأفريقي أمام امتحان الحوكمة والامتثال لروح القانون، إمّا أن ينجح فيه، وإما أن يخفق، فما استساغ ما أُريق حول النهائي من فضائح، وما قَبِل بالأحكام الصادرة عن لجنة الانضباط، فعمد إلى حل كل اللجان القضائية، وقرر أن تكون الهيكلة الجديدة إيذاناً ببداية عهد جديد.
عهد، فيه سيُقْبل الاستئناف المغربي ضد كل الأحكام الصادرة عن لجنة الانضباط، وسيعاد ملف «النهائي المشؤوم» بكل تفاصيله إلى واجهة البحث والتقصي، ويوم الثلاثاء صدر القرار الحاسم والصادم، قرار أقر بأن جُنحة الانسحاب المثبتة على المنتخب السنغالي، يعاقب عليها قانوناً باعتبار المنتخب السنغالي خاسراً للمباراة النهائية بثلاثية نظيفة، وباعتبار المنتخب المغربي فائزاً بالنتيجة ذاتها، وبه سيجرّد المنتخب السنغالي من اللقب، وستسقط من على صدره النجمة الثانية، لتُعلّق على صدر أسود الأطلس، وقد باتوا لأفريقيا أبطالاً، هم مَنْ كانوا قبل أربع سنوات أول منتخب أفريقي يبلغ المربع الذهبي للمونديال.
هو حق عاد لصاحبه وما ضاع، وهي كأس عادت لمنتخب مغربي كان يستحقها بقوة الأداء وبسلطة القانون، وهي شُرفة فتحها الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، منها أطلت شمس الحقيقة ومنها تنفسّت الكرة الأفريقية هواء نقياً، وهو باب نظن أنه أُغلق إلى الأبد، باب منه كانت تدخل ريح خبيثة، محمّلة بكثير من الغبار الذي يعمي العيون، ويحوّل القرارات داخل مؤسسة الاتحاد الأفريقي، إلى صكٍّ للنزوات.
وكما أن الاتحاد المغربي لكرة القدم، اختار مسلك القانون للترافع على حقه المسلوب، وسلك طريق الحكمة في تدبير ملفّه، فإن الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، جعل من ضارّة نهائي كأس أمم أفريقيا، مناسبة لإعلان ثورة حقيقية على مفاصل العمل المؤسسي كافة، تأسيساً لمرحلة شعارها «سيادة القانون».