أثارت التعديلات التي أدخلها حكام دمشق الجدد على المناهج التعليمية جدلاً واسعاً في الأوساط السورية وبين كل المهتمين بمستقبل سوريا بعد إسقاط نظام الحكم السابق، واعتبرها البعض مؤشراً لا تخطئه عين على توجهات النظام الجديد، وكان لافتاً السرعة التي تمت بها هذه التعديلات، بينما ستستغرق عملية التوصل إلى دستور جديد وانتخابات تُجرى بعد إقراره مدة قدرها أحمد الشرع بأربع سنوات، وهو ما يشير إلى أهمية التعليم كمصدر مهم لبناء الشرعية السياسية لنظام ما، فالتعليم كما هو معروف أداة رئيسية للتنشئة السياسية للأجيال الجديدة على القيم التي تعكس توجهات النظام السياسي؛ ولذلك فإن غرس التعليم لهذه القيم في عقول الطلاب يساعد في الوقت نفسه على بناء ولائهم لذلك النظام.
ولذلك فإن أي نظام جديد يسارع للاطمئنان إلى أن المنظومة القيمية في النظام التعليمي لا تتعارض مع توجهاته، وإلا كان ذلك بداية لعدم استقرار محتمل ولو على المدى المتوسط.
ووفق هذا التحليل، وجدنا أن التمرد «الحوثي» على الشرعية اليمنية لم يكن تمرداً مسلحاً فحسب، وإنما كان في الوقت نفسه تمرداً تعليمياً، كان للحوثيين بموجبه في مناطق سيطرتهم مناهجهم التعليمية الخاصة، التي تتناسب والفرع الذي يتبعونه من المذهب الزيدي، ويتسق مع هذا أن مؤتمر الحوار الوطني في اليمن الذي انعقد بعد إقرار المبادرة الخليجية عندما ناقش قضية «الحوثيين» لم تكن التوصيات التي توصل لها بشأنها مقتصرة على حصر الأسلحة الثقيلة والمتوسطة بيد الدولة، وإنما امتد إلى ضمان سيادتها التعليمية في مناطق «الحوثيين»، فكأن احتكار السلاح لا يكفي وحده لضمان فرض الدولة سيطرتها على إقليمها، وأن سيادة الدولة لا تتحقق بالقوة المسلحة فحسب، وإنما لا بد أن تدعمها منظومة قيمية يعمل التعليم ضمن آليات أخرى للتنشئة السياسية على تأسيسها وحمايتها.
من هنا نفهم مسارعة السلطة الجديدة في دمشق إلى ما اتخذته من قرارات لتعديل بعض مصطلحات وأفكار ومفاهيم المحتوى التعليمي في النظام السابق، غير أن الجدل اشتعل بسبب طبيعة المرحلة الحالية التي يأمل الكثيرون أن تكون بداية لسوريا جديدة تتخلص من إرث الماضي القريب، والمشكلة أنه بينما كانت أطياف المعارضة لنظام الأسد شديدة التنوع، فإن الحكم الحالي في دمشق يعبر عن تيار واحد، وإن تعددت فصائله، وبالتالي اعتُبِرَت التعديلات الأخيرة التي أُدخلت على المناهج الدراسية من قِبَل باقي مكونات المعارضة السورية مؤشراً على نية الانفراد بالقرارات على الأقل طيلة المرحلة الانتقالية التي يمكن أن تصل لأربع سنوات، وهو ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى استمرار هذه الممارسات، وازدياد التوترات بين مكونات المجتمع، ويضع الخطاب السياسي للقيادة الجديدة على المحك، فقد وعد الشرع بسوريا جديدة للجميع في إطار من الحرية والمساواة، وسوف يكون مؤتمر الحوار الوطني الذي أعلن عنه اختباراً آخر لنوايا الحكم الجديد، ولا شك في أن الجميع يتمنون لسوريا كل خير، وأن يروا في القريب العاجل ما يطمئن على أن سوريا الجديدة ستكون فعلاً للجميع، وأن شعبها سيكون صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في تقرير مستقبلها، وهو طموح مشروع بعد كل هذه السنوات الصعبة التي مرت بها، ومازالت تعاني آثارها حتى الآن.
*أستاذ العلوم السياسية- جامعة القاهرة


