طالما كانت الأخوة حجر الأساس في بناء المجتمعات القوية والمترابطة، فهي ليست مجرد علاقة قرابة أو صداقة، بل منظومة متكاملة من القيم التي تعزز التماسك الاجتماعي، وترسّخ روح التعاون والتضامن بين الأفراد. فالمجتمع المتماسك هو الذي يقوم على أسس الأخوة الحقيقية، حيث يشعر كل فرد بمسؤوليته تجاه الآخر، ويدرك أن قوته تكمن في قوة مجتمعه، وهو ما تسعى دولة الإمارات لترسيخه من خلال المبادرات التي تطلقها قيادتها الرشيدة.
تأتي مبادرة «عام المجتمع» التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، لتجسد هذه المفاهيم، حيث تضع الأخوة والتلاحم المجتمعي في صميم عملية التنمية الوطنية. فهذه المبادرة ليست مجرد مشروع اجتماعي، بل هي رؤية وطنية شاملة تهدف إلى تمكين المجتمع وتعزيز الروابط بين أفراده، مما يضمن استدامة نهضة الدولة. عندما تقوم المجتمعات على أساس الأخوة، فإنها تصبح أكثر قدرة على تجاوز التحديات، وتحقيق التقدم في مختلف المجالات.
في عالمنا اليوم، تزداد التحديات التي تواجه الأسرة والمجتمع، حيث نجد أن القيم الدخيلة والتغيرات السريعة قد تؤثر على النسيج الاجتماعي، مما يجعل التحصين الأسري والتربية السليمة خط الدفاع الأول لحماية الأجيال الناشئة. إن بناء جيل واعٍ ومتماسك يبدأ من الأسرة، فهي المدرسة الأولى التي يتلقى فيها الأبناء المبادئ الأساسية التي تشكل شخصياتهم. وهنا يأتي دور الأسر في غرس القيم، وتعزيز الهوية الوطنية، وتحفيز الأبناء على الاهتمام بما ينفعهم، من خلال إعداد برامج وأنشطة تشغل أوقاتهم وتوجّههم إلى مجالات تفيدهم على المستوى الشخصي والمجتمعي، سواء كانت رياضية، علمية أو فنية. اكتشاف مواهبهم ورعايتها هو مسؤولية تقع على عاتق الجميع، فهو السبيل إلى بناء جيلٍ يكون الركيزة القوية لمسيرة الدولة، ويسهم في تحقيق أهدافها التنموية.
في هذا السياق، برزت المجالس التراثية كواحدة من أهم الوسائل التي اعتمدتها الدولة للحفاظ على الترابط الاجتماعي، وتعزيز التواصل بين الأجيال. فهذه المجالس لم تكن يوماً مجرد أماكن للقاء، بل كانت وما زالت مدارس للحياة، يُنقل فيها العلم والخبرة والحكمة من جيل إلى آخر. وعلى الرغم من دورها المهم، إلا أن الحضور فيها يقتصر غالباً على كبار السن ومن تجاوزوا الأربعين عاماً، بينما يغيب عنها الشباب، وهم الفئة التي تحتاج إلى مثل هذه اللقاءات أكثر من غيرها.
من الضروري أن يتم توجيه المدارس في مختلف المناطق لإرسال وفود من الطلاب لحضور المحاضرات واللقاءات التي تعقد في المجالس، حيث يمكنهم الاستفادة من تجارب رجالات الدولة ورموزها الذين يستطيعون تقديم الإرشاد والتوجيه، وتبادل أطراف الحديث مع هذه الأجيال الشابة، وغرس القيم والمبادئ التي قامت عليها دولة الإمارات. هذا الربط بين الماضي والحاضر هو ما يجعل المجتمع أكثر تماسكاً، ويضمن استمرار القيم التي أسسها الآباء المؤسسون في نفوس الأجيال الجديدة.
إن أهمية هذه المجالس لا تقتصر فقط على تعزيز الانتماء والهوية الوطنية، بل تمتد أيضاً إلى كونها وسيلة فعالة لإعداد الشباب ليكونوا رجال المستقبل، القادرين على تحمل المسؤولية والقيام بأدوار قيادية في مختلف القطاعات. فحين يجتمع الشباب مع الشخصيات الوطنية المؤثرة، يستمعون إلى تجاربهم ويتعلمون منهم دروس الحياة، ينشأ لديهم شعور أكبر بالمسؤولية، ويزداد وعيهم بأهمية دورهم في بناء مستقبل الدولة.
لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض دون أن يسوده التلاحم والأخوة، فهي ليست مجرد قيمة اجتماعية، بل هي الركيزة التي يقوم عليها الاستقرار والتقدم. إن ترسيخ هذه الروح بين الأجيال الشابة، وتوجيههم نحو المبادئ الوطنية والعمل الجماعي، يخلق مجتمعاً قوياً قادراً على مواجهة التحديات، وصناعة مستقبل مشرق.
إن مبادرة «عام المجتمع» ليست مجرد دعوة للتكافل الاجتماعي، بل هي مشروع وطني يهدف إلى بناء الإنسان، وتعزيز الروابط التي تحمي المجتمع من التفكك، وتجعله أكثر قدرة على التطور. فدولة الإمارات، ومنذ تأسيسها، قامت على مبادئ الأخوة، وكان ترابط أبنائها سرّ نجاحها وازدهارها، واليوم، تقع علينا جميعاً مسؤولية الحفاظ على هذه القيم، وتعزيزها في مختلف جوانب حياتنا.
إن استثمار المجالس في غرس القيم وبناء الشخصيات القيادية، وربط الأجيال الشابة بموروثهم الثقافي والتاريخي، هو خطوة ضرورية لضمان استدامة الهوية الوطنية، وتهيئة شبابنا ليكونوا الركيزة القوية في بناء مستقبل الدولة. بهذه الروح، نصنع جيلاً قادراً على مواجهة التحديات، والحفاظ على إرث الدولة، والمشاركة في نهضتها بكل قوة وثبات.
*لواء ركن طيار متقاعد


