عندما يتم الاهتمام بمسألة معدلات الخصوبة في الإمارات، فإن الأمر يتعلق بمستقبل الوطن وتماسك المجتمع وقوته. نحن أبناء هذا الوطن نؤمن بأن مستقبل الإمارات يبدأ من الأسرة، وأن كل طفل يُولد فيها هو بذرة في أرض هذا الوطن، تستحق أن تُرعى وتُثمر. ومن هذا الإدراك العميق لقيمة الأسرة والطفل، يأتي القلق الحقيقي من تراجع معدل الخصوبة بين المواطنين الإماراتيين، الذي انخفض من ستة أبناء في السبعينيات، إلى أربعة في التسعينيات، ثم إلى 3.7 في 2015، ووصل إلى 3.1 فقط في عام 2022. هذا الانخفاض ليس مجرد تغير إحصائي، بل يعكس خللاً بنيوياً يدق ناقوس الخطر بشأن قدرة الأسر على الاستمرار في أداء دورها المحوري في مسيرة التنمية. فالأسرة اليوم لم تعُد قادرة بالقوة نفسها على التمدد والنمو كما كانت في السابق، وسط تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. إن الأسباب متعددة من بينها: ارتفاع تكاليف الحياة، تغير أولويات الجيل الجديد، استسهال الطلاق، تأخر الزواج، وزيادة الضغوط النفسية والمادية، لكن خلف كل هذه المظاهر، تكمن حقيقة جوهرية نغفل عنها في كثير من السياسات: أن الطفل الإماراتي ليس فقط مسؤولية أسرته، بل هو مشروع وطني متكامل، تضع عليه الدولة رهانها في المستقبل.

فالأسرة حين تربي وتنفق وتوجّه، فإنها في الحقيقة تساهم في صياغة ملامح الإمارات القادمة، وفي بناء الإنسان الذي سيحمل رايتها غداً. ولهذا، فإن الدولة شريك مباشر وفعّال في هذه الرحلة، منذ اللحظة الأولى لولادة الطفل، عبر دعم مالي ومعنوي وخدمي حقيقي.

دعمٌ يُعين الأسرة على مواجهة التحديات، ويمنحها الثقة بأن مشروعها الأسري مدعوم ومرحب به، لتكون أكثر استعداداً لخوض تجربة التوسع العائلي دون تردد أو قلق. الدعم ينبغي أن يبدأ من الطفل الأول، دون تأخير أو شروط معقدة. يجب أن يكون مبلغاً شهرياً مجزياً يغطي الاحتياجات الأساسية من رعاية وتعليم وصحة، ليمنح الأسرة شعوراً بالاطمئنان والتمكين.

فالتجربة الأولى للإنجاب هي الأصعب، وإذا كانت هذه البداية سلسة ومؤمنة، فإنها تفتح الباب أمام المزيد من الأبناء، وتؤسس لأسرة واثقة مستقرة. هذا الدعم ليس مكافأة، بل هو استثمار حقيقي في رأس المال البشري، مثلما نستثمر في الطرق والموانئ والفضاء والتكنولوجيا، نستثمر في المواطن منذ نعومة أظفاره، ليكون البنية التحتية الأولى، والعنصر الأهم في معادلة التقدم الوطني. وفي هذا الإطار، لا يمكن الحديث عن دعم الأسرة دون التطرق إلى السكن، كأحد أهم دعائم الاستقرار الأسري.

فالدستور الإماراتي، في مادته السابعة عشرة، ينص على أن «المجتمع يكفل للمواطنين السكن والمعونة في حالات العجز والشيخوخة أو العجز عن العمل»، وهذا النص ليس شعارات، بل هو التزام وطني حقيقي، يجب أن يُترجم إلى برامج إسكان سريعة وشاملة، خاصة في بداية الحياة الزوجية، عبر حلول مرنة وميسرة تمكّن الشباب من بناء أسرهم بثقة وأمان. ولكي تتحول هذه الرؤية إلى واقع ملموس، ثمة مقترحات عملية يمكن أن تتضمنها الاستراتيجية الوطنية للخصوبة أبرزها: إعفاء جزئي من القروض السكنية للأسر الكبيرة، مع تقديم أراضٍ أوسع أو وحدات سكنية أكبر، إجازة وضع مدفوعة لمدة 6 أشهر للأم، تليها سنة عمل عن بُعد، لدعم التوازن الأسري، وتوسيع عدد الحضانات والمدارس الحكومية قرب الأحياء السكنية، ومنح الأب امتيازات وظيفية أو راتباً تقاعدياً أعلى عند إنجاب عدد أكبر من الأبناء، وتوسيع منحة الزواج لتشمل المزيد من المواطنين، وربطها بتوفير السكن المبكر، ومراجعة نظام ساعات العمل اليومية وساعات الدراسة الطويلة للأطفال، بما يسمح بتوزيع أكثر عدلاً للوقت بين الوظيفة والأسرة، ويتيح للآباء والأمهات القيام بأدوارهم الحقيقية، ويراعي الطفولة واحتياجاتها. نحن نبني مجتمعاً متكاملَ الأركان، تشارك فيه كل الفئات في حمل أمانة الوطن وبناء مستقبله. الكم أصبح ضرورة، وليس خياراً، لتحقيق التوازن السكاني. ومع تقدم الحياة، تتعاظم التحديات: ارتفاع الأسعار، ضغوط العمل، متطلبات الأبناء، والأعباء النفسية والمادية.

إننا بحاجة إلى مواطنين كُثُر، لا إلى «مواطن مثالي» فقط. فالوطن لا يُبنى بالنخبة وحدها، بل بقاعدة شعبية متماسكة، وإذا أردنا أن نصل إلى «الرقم السحري» في عدد الأبناء، فعلينا أن نوفّر كل أدوات النجاح للأسرة. شعار «بناء الإنسان» لم يُهمل أبداً، لكن ربما نحتاج اليوم أن نراه من زواياه كلها، لا من زاوية واحدة.

الوطن لا يحتاج فقط إلى النخبة، بل إلى كل فرد فيه. هكذا كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الوالد المؤسّس، يرى في المواطن البسيط ركيزة للأمة، ويوفّر له العمل، والسكن، والكرامة، ليبني عائلة تصنع المستقبل. واليوم، أنتم يا أبناء زايد، تحملون رسالته، وتُكملون مسيرته، وتمضون بالإمارات إلى العلا. استمروا… وشعبكم خلفكم، دائماً.

*لواء ركن طيار متقاعد