كان بودنا القول إنّ العرب يستعيدون فلسطين، لكنّ وقائع الانقسام الفلسطيني منذ أكثر من عقدين تفترض أن تُستعاد القضية ذاتها قبل الحديث عن استعادة الدولة أو إنشائها. فمنذ ثلاثة عقودٍ وأكثر رفعت «حماس» ورفعت إيران ورفع الحزب المسلَّح بلبنان الرايات الفلسطينية، باعتبارهم مسؤولين وحدهم عن القضية والتحرير! وصاروا يعيّرون العرب أنهم لا يقومون بواجباتهم الإسلامية والقومية، ولذلك تولَّوها هُم من أجل السير مباشرةً باتّجاه التحرير! لكن بعد قرابة الأربعين عاماً أين هو التحرير الموعود؟

    خلال هذه العقود التي تخللها ما يشبه الحروب الأهلية والصراع على الدول، حصلت الأمور التالية:

1.    حلَّت عدة ميليشيات مسلَّحة محلّ الدول، ورفعت في إعلامها شعار تحرير فلسطين. لكنّ معظم المعارك التي خاضتها كانت من أجل الاستيلاء على السلطة في بلدانها بحجة أن تلك السلطات تمنع التحرير.

2.    جرى إفشال كل الثمار التي حقّقها النضال الفلسطيني، بالعمل كما المتطرفين الإسرائيليين، على إفشال اتفاقية أوسلو بحجة أنّ التحرير ينبغي أن يشمل فلسطين كلها وليس جزءاً منها.

3.    قادت حركة «حماس» وحركات أُخرى هجمات على شرعية السلطة الفلسطينية، فلما توفي ياسر عرفات عملت «حماس» على قسمة فلسطين والانفراد بالسلطة في قطاع غزة عام 2007.

4.    صارت الدول العربية من حول فلسطين وما وراءها ميادين للصراع بين «تيار المقاومة» (كما يسمي نفسه) وتيار الاعتدال، فنشأت ميليشيات مسلحة مدعومة من الخارج في لبنان وسوريا والعراق والسودان وليبيا.

واستولت تلك التنظيمات على سلطات الدولة فيما يتعلق بالسيادة وحفظ الحقوق وشن الحرب، وراحت تتخيل نفسَها قوى عظمى تتجاوز حتى قضية فلسطين!

5.    الدول العربية ظلت، بعد ياسر عرفات، شديدة الاهتمام كما من قبل. ففي مؤتمر بيروت 2002 طُرح مشروع الملك عبدالله وجرى إقراره، وفيه الأرض مقابل السلام أو إقامة الدولة الفلسطينية. وعندما تعاظم الانقسام بين السلطة والمعارضة تدخلت الدول العربية مراراً للتوفيق، لكنّ جماعات الإسلام السياسي كان همّها مثل الهمّ الإسرائيلي، إزالة السلطة الوطنية الفلسطينية لكي تستأثر بالشرعية. ومنذ عام 2007 ما حصل شيء غير النزاع على الشرعية، والتحرش بإسرائيل لإظهار القيمة والتميز، وكانت نتيجة التحرشات حرب الإبادة المستمرة منذ سنتين!

6.    منذ عام 2002، وبخاصةٍ مع بداية حرب السنتين الأخيرتين، بذلت الدول العربية والإسلامية جهوداً جبارةً لوقف الحرب واستعادة القضية ومشروع الدولة. وقد نجحت أخيراً في إقناع الرئيس الأميركي بالحلّ الوسط، وما تزال «حماس» مترددة (!). يريد العرب والعالم الخروج من التنظيمات المسلَّحة التي تعمل لصالح أعضائها وللجهات غير العربية ضد الدول الوطنية، ومن هذه التنظيمات حركة «حماس» كما ثبت في السنتين الأخيرتين عندما تسبّبت في نشوب حرب الإبادة على الغزيين وسائر الفلسطينيين.

في كل الدول العربية المضطربة هناك التنظيمات المسلحة التي تنازع الدول على السلطة، وفي الوقت ذاته تدعي أنها تناضل من أجل فلسطين! والآن ينبغي إخراج القضية الفلسطينية من هذا المستنقع الذي جرتها إليه «حماس»، بحيث تعود القضية إلى سويتها العربية، وبين استعادة القضية واستعادة مشروع الدولة مسافة قصيرة.

*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية