ليس الخلل في النص حين يُتَّهَم، ولا في الحكم حين يُستنكَر، وإنما الخلل كلُّه في الميزان إذا فُقِد، وفي المنهج إذا اضطرب، وفي النظر إذا قَصُر عن إدراك الغايات. فالنصوص، متى نُزِعت من كلياتها، صارت شواهد متنازعة، ومتى قُطِعت عن عللها، تحوّلت من هداية إلى خصومة، ومن رحمة مقصودة إلى شدةٍ مُطلَقة لا يضبطها عقل ولا مقصد.إن الشريعة، في جملتها، لم تُبنَ على الآحاد، ولا استُخرجت من الجزئيات منفصلةً عن أصولها، بل قامت على مقاصد جامعة، تَرجِع إليها الفروع، وتنتظم بها الأحكام، ويُعرف بها وجه الصواب من مسالك الخطأ. ولذا كان النظر إلى الحكم مجرداً عن علّته ضرباً من التعسف، وكان تنزيل النص دون اعتبار مآله باباً من أبواب الإفساد باسم الإصلاح.
ومن أعظم ما ابتُلي به الفهم الديني في هذا العصر تحويل بعض النصوص الجزئية إلى أصولٍ كلية، وجعل ما نزل في سياقٍ مخصوص قاعدةً مطّردة لا تتغير بتغير الأحوال. وفي هذا الموضع تَكثُر الإشارة إلى ما عُرف بآية السيف، لا باعتبارها آية من كتاب الله، بل باعتبارها عنواناً لصراعٍ تأويلي طال أمده، واختُزل فيه القرآن كلُّه في حكمٍ واحد، وغُيِّبت فيه سائر القيم الحاكمة من عدلٍ ورحمةٍ وبرٍّ وحفظٍ للنفس.
والنظر المحقق لا يقف عند ظاهر الأمر، بل ينفّذ إلى سببه، ومناطه، وحدوده، وما أحاط به من قيودٍ واستثناءات. فالقتال، في نظام التشريع، لم يكن مقصداً لذاته، ولا حالةً أصلية في علاقة الناس بعضهم ببعض، وإنما شُرع لدفع عدوانٍ قائم، وحفظ نظامٍ مهدد، وردِّ نقضٍ للعهد بعد إنذارٍ وبيان. ولو كان القتال أصلاً، لانهدمت قواعد البر، وسقط اعتبار السلم، وبطل معنى العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض.
ومن هذا المنطلق جاء كتابي «آية السيف: نصّ في سياق أم ذريعة في صراع؟»، لا ليجادل في ثبوت النص، ولا ليُخاصم حكماً مقرراً، بل ليعيد بناء مسألة الفهم على أصولها الصحيحة. فالمقصود ليس الدفاع عن آية، بل الدفاع عن منهج، يعيد النصَّ إلى كلياته، ويضع الجزئيَّ في موضعه، ويمنع من توسيع الاستثناء حتى يبتلع الأصل. وهو اشتغالٌ ينطلق من فقه المقاصد، واعتبار المآلات، وجمع النصوص، لا من معارك الشعارات ولا من ردود الفعل.
وليس هذا المسلك خاصاً بالبحث الأكاديمي، بل هو حاجة عامة في زمنٍ تتشابك فيه الدلالات، وتُستعمل فيه النصوص لتبرير العنف أو لتغذية الخوف من الدين. فحين يُقرأ النص بعين الغلبة، يُنتج صراعاً دائماً، وحين يُقرأ بعين الحكمة، يُنتج نظاماً أخلاقياً يضبط القوةَ ولا يُطلقها، ويجعل الاستثناء في موضعه، لا في مقام الأصل.
وفي هذا السياق تتجلّى قيمة النماذج التي أعادت وصل الدين بالعمران، وجعلت من الفهم الرشيد أساساً للاستقرار، ومن المقاصد إطاراً للسياسة العامة، فدلّت بالفعل لا بالقول على أن النص إذا فُهِم في كليته كان عنصر توازن لا عامل اضطراب.
إن المعركة الحقيقية ليست حول آية، ولا حول لفظ، بل حول ميزان الفهم نفسه.. فإذا استقام الميزان، وُضع كل حكم في موضعه، وسلِم النص من التوظيف، وسلِم الإنسان من العنف.. أما إذا اختلّ، فلا نصَّ يمنع الانحراف، ولا شعارَ يحول دون الفساد.


*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة