يحتاج قطاع التكنولوجيا إلى كميات هائلة من الكهرباء. وربما تكون أكثر محطات الطاقة التي يتم تجاهلها في الولايات المتحدة ليست توربينات الغاز أو مزارع الطاقة الشمسية، بل هي منزلك.
تخوض شركات التكنولوجيا سباقاً محموماً لتطوير الذكاء الاصطناعي، وهو سباقٌ يُحسم بالسرعة والنطاق.
ويرى البعض أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، كمراكز البيانات، تلعب دوراً مشابهاً لدور السكك الحديدية في القرن الـ19: فالشركات التي تُهيمن أولاً ستسيطر على التكنولوجيا الأكثر تأثيراً في هذا العصر. ومن المتوقع أن تنفق الشركات التقنية العملاقة نحو 2.7 تريليون دولار على مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة بحلول عام 2030، وفقاً لتقديرات ماكينزي، أي ما يعادل أكثر من «مشروع مانهاتن» واحد شهرياً، بعد تعديله وفقاً للتضخم. وكل هذه المعدات الجديدة تحتاج إلى كهرباء أكثر مما تستطيع الشبكة توفيره.
وقد لجأت شركات مثل جوجل وميتا وغيرها إلى استخدام محرّكات نفّاثة معدّلة ومولدات ديزل وإعادة تشغيل محطات الطاقة النووية والفحم لتزويد مراكز بياناتها بالطاقة، بينما طلبت من شركات الكهرباء تحديث شبكاتها. وساهم ذلك في ارتفاع أسعار الكهرباء بنسبة 42% منذ عام 2020.
ويُقدّم منزلك حلاً آخر لأزمة الطاقة. الفكرة بسيطة: عندما يتم تنسيق آلاف المنازل معاً بواسطة برمجيات لتشكيل ما يُعرف بمحطات الطاقة الموزعة أو الافتراضية VPPs، يمكنها توفير طاقة تعادل محطة كهرباء كاملة للشبكة، إما عبر تقليل الاستهلاك من أجهزة ذكية مثل سخانات المياه الكهربائية، أو عبر إرسال الكهرباء من بطاريات المنازل. ويمكن لهذا النهج توفير مئات الميجاواطات خلال أشهر، بدلاً من سنوات لبناء محطة طاقة جديدة.
وتنقل خطوطُ النقل الكهرباءَ عبر المسافات إلى حيث الحاجة. أما محطات الطاقة الافتراضية، فتوفر الكهرباء في اللحظة التي تكون فيها الحاجة في ذروتها. وغالباً ما تعمل الشبكة بنحو نصف طاقتها لأنها مصمّمة لتلبية الطلب الأقصى، لذا فإن تخزين الكهرباء الرخيصة خارج أوقات الذروة واستخدامها عند ارتفاع الطلب يخلق بالفعل سعةً جديدةً. ويمكن إعادة شحن بطاريات المنازل لاحقاً باستخدام طاقة رخيصة، غالباً من الرياح أو الشمس، عندما ينخفض الطلب.
وفي يوليو الماضي، قدّم أكبر اختبار سكني في تاريخ الولايات المتحدة 535 ميجاواط في كاليفورنيا، وهو ما يكفي لتشغيل نصف مدينة سان فرانسيسكو لمدة ساعتين، من خلال أكثر من 100 ألف بطارية منزلية. وتقدّر وزارة الطاقة الأميركية أن بناء سعة مماثلة من محطات الغاز الطبيعي سيكلف ضعف ذلك.
وتشير منظمة «ريويرينج أميركا» (إعادة توصيل أميركا)، غير الربحية، إلى أن جميع الكهرباء الجديدة التي ستطلبها مراكز البيانات، والتي يُرجّح أن تتراوح بين 60 و100 جيجاوات بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، يُمكن نظرياً توفيرها من خلال تزويد المنازل بأجهزة ذكية ومضخّات حرارية وبطاريات، وتشغيلها كمحطات طاقة افتراضية. وتُقدّر المنظمة أن أسعارَ الكهرباء المنزلية ستنخفض في الوقت نفسه.
ولتحقيق هذا السيناريو، يجب أن تستثمر شركات مراكز البيانات في المنازل، وليس فقط في محطات الطاقة. وقد بدأ ذلك بالفعل. ففي شهر فبراير الماضي، أعلنت «جوجل» أن مركز بياناتها الجديد في ولاية مينيسوتا سيساهم في تمويل آلاف البطاريات الصغيرة المملوكة لشركات الكهرباء في المنازل والشركات، ضمن محطة طاقة افتراضية ستكون جزءاً من 1900 ميجاواط من سعة الطاقة النظيفة لتشغيل المنشأة.وقال «مارك دايسون»، من مركز أبحاث الطاقة النظيفة RMI: «نشهد اليوم ارتباطاً وثيقاً بين قيام الشركات ببناء مراكز بيانات والاستثمار في البنية التحتية للمنازل والشركات. ولطالما انتظرت برامج الطاقة الافتراضية VPPs توفّر السيولة النقدية والأزمات، وها نحن نشهد الآن كليهما».
تُقدم شركةُ Base Power الناشئة في أوستن عرضاً لأصحاب المنازل في تكساس: تركيب بطارية منزلية في فناء منزلك، وتخفيض فواتير الكهرباء بنسبة تصل إلى 15%. تتقاضى الشركة رسوماً شهرية تبلغ حوالي 20 دولاراً، بالإضافة إلى رسوم تركيب لمرة واحدة. خلال انقطاع التيار الكهربائي، يمكن للبطارية التي تبلغ سعتها 50 كيلوواط/ساعة، أي ما يعادل بطارية سيارة كهربائية صغيرة أو متوسطة الحجم، تزويد المنزل بالطاقة لمدة تصل إلى 48 ساعة.
ومع ارتفاع أسعار الكهرباء، تتجه معظم مناطق الولايات المتحدة إلى تبنِّي تعريفات الاستخدام حسب الوقت وآليات سوقية أخرى تجعل برامج الطاقة الافتراضية أكثر جدوى اقتصادية. وتشهد كاليفورنيا وتكساس وأجزاء من نيو إنجلاند أكثر برامج الطاقة الافتراضية رسوخاً، بينما اتخذت 35 ولاية، بالإضافة إلى مقاطعة كولومبيا، خطواتٍ العامَ الماضي للاستفادة من مصادر الطاقة الموزعة، كالمنازل، لتعزيز قدرة الشبكة الكهربائية. وقال دايسون، من معهد روكي ماونتن: «سيُثبت السوقُ مدى نجاح هذا النهج».
ويطالب السياسيون، خوفاً من غضب المستهلكين، مطوّري مراكز البيانات بتحمل تكاليفهم. وفي شهر مارس المنصرم، توجّه كبارُ مسؤولي الذكاء الاصطناعي، من شركات جوجل وميتا ومايكروسوفت وأوبن إيه آي، إلى البيت الأبيض لتوقيع «تعهّد حماية المستهلكين» الطوعي، متعهّدين باستيعاب تكاليف الطاقة المرتبطة بمراكز بياناتهم، بدلاً من تحميلها على المستهلكين.
وفي الأسابيع الستة الأولى من عام 2026، قدّمت الولايات أكثر من 300 مشروع قانون متعلّق بمراكز البيانات. سيُلزم قانون الطاقة المحلية في نيويورك، في حال إقراره، مطوّري مراكز البيانات الضخمة بتعويض استهلاكهم للكهرباء من خلال تمويل تحويل المنازل إلى الكهرباء وتطبيق تدابير كفاءة الطاقة مثل المضخات الحرارية، والطاقة الشمسية على أسطح المنازل، وتخزين البطاريات. أما قانون الطاقة في إلينوي، فسيُلزم مطوّري مراكز البيانات الكبيرة بتأمين الطاقة النظيفة وتمويل البنية التحتية للشبكة لتلبية احتياجاتهم، مع تشجيع صريح لاستخدام مصادر الطاقة المتجددة المقترنة بتخزين الطاقة.
*كاتب متخصص في قضايا الطاقة والمناخ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


