في التفاوض مع النظام الإيراني، ليست المشكلة في تعثّر النتائج، بل في وهم نجاحها. فالتفاوض هنا ليس مساراً للحل، بل أداة لإدارة التهديد. وعلى مدى أربعة عقود، لم يكن الإخفاق طارئاً، بل نتيجة منطقية لمقاربة تتجاهل أن هذا النظام لا يفاوض ليقدّم تنازلات، بل ليحمي مصادر قوته ويمنحها وقتاً للمناورة.ما يُسمّى بالدبلوماسية، في هذا السياق، لم يعُد أداة لإدارة الصراع، بل آلية لإخفائه، تُستبدل فيها الحقائق بالأمنيات، ويُعامل فيها نظام قائم على التهديد والاختراق والإرهاب كما لو كان شريكاً في الاستقرار، لا مصدراً له.
وفي كتاباته عن الإسلام السياسي، نبّه المؤرخ البريطاني برنارد لويس إلى أن الأفق الزمني الإيراني مختلف جذرياً عن الأفق الغربي، الغرب يتفاوض بساعة إيقاف، وإيران تتفاوض بأفق عقدي لا نهائي تُغذّيه نظرية ولاية الفقيه، التي تجعل التنازل الاستراتيجي تهديداً للشرعية، قبل أن يكون خياراً سياسياً. لهذا، السلام الحقيقي مع إيران ليس خياراً صعباً، بل كُلفة وجودية لا يستطيع النظام تحمّلها. ثمة ما هو أعمق من الخطأ المنهجي في هذه المقاربة: التفاوض مع جهة موصوفة بالإرهاب، موثّق سجلها بالدم في سوريا واليمن والعراق ولبنان والاعتداءات على دول الخليج، لا يُنتج حلاً، لأن من يُصدّر الأزمات أداةً للبقاء لا يسعى إلى الاستقرار، بل إلى إدارة الفوضى والتحكم بها.

إيران لا تفاوض بصوت واحد.. ولا تخرق الاتفاقات كخطأ، بل كبنية. في الحسابات الدولية، لا تُقاس جديّة الدول بما توقّعه، بل بما يمكن أن تتخلى عنه. وهنا تنهار الفرضية التي بُنيت عليها معظم المقاربات: إيران لا تضع على الطاولة ما يشكّل مصدر قوتها، بل ما دونه. المشروع النووي، وبرامج الصواريخ البالستية، والطائرات المسيّرة، وشبكات الوكلاء، ليست أوراق تفاوض، بل بنية نفوذ متكاملة، والتعامل معها كملفات منفصلة هو الخطأ الذي يتكرر في كل جولة مفاوضات. وخلال مفاوضات 2013–2015، قُيِّد المسار النووي، بينما بقيت برامج الصواريخ ونفوذ الوكلاء خارج القيود -خلل التجزئة- لحماية ما هو أكثر تأثيراً، فلم يُقلَّص التهديد، بل أُعيد توزيعه.
غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن فقط في طبيعة الأدوات، بل في بنية القرار التي تتحكم بها. فإيران لا تفاوض كدولة ذات مركز قرار واحد يمكن مساءلته، بل كمنظومة موزعة بين ثلاث طبقات: واجهة دبلوماسية تفاوض وتوقّع، ومرجعية دينية عليا تحدد الإطار، وذراع عسكرية (الحرس الثوري) تحتفظ بالقدرة على الفعل خارج أي التزام مكتوب، مؤسسياً وعملياً.

هذه البنية لا تنتج فقط تعددية في القرار، بل تخلق قابلية دائمة للإنكار، وتجعل أي اتفاق عرضة للتآكل من داخله قبل أن يختبره الواقع.

ولهذا، فإن قراءة تاريخ التفاوض مع طهران لا تكشف عن إخفاقات متفرقة، بل عن نمط متّسق: التفاوض يُستخدم لامتصاص الضغوط، والاتفاق لإعادة التموضع، لا لتغيير السلوك.المعضلة مع هذا النظام ليست أنه يوقّع ثم يخرق، بل أنه يوقّع ليحمي الأدوات التي تجعله قادراً على الخرق، أي إن الاتفاق نفسه يصبح جزءاً من منظومة الحماية، لا أداة لتفكيكها.
والمفهوم الأدق لما يحدث ليس فشل التفاوض، بل توظيفه كأداة نفوذ، بما يضمن استمرار الأزمة لا حلّها، ويحوّل السؤال من كيف نصل إلى اتفاق جديد، إلى هل المقاربة ذاتها قابلة للاستمرار أصلاً؟ المقاربة الصحيحة تقوم على التعامل مع منظومة التهديد ككتلة واحدة، وفرض قيود والتزامات بآليات محكمة تمتد من التوقيع إلى التطبيق القابل للتحقق، مقاربة لا تؤجّل التهديد ولا تديره، بل تستهدف تجريد النظام من أدوات القوة التي يُديم بها نفوذه.
الخلاصة أن الملف الإيراني لا يعاني من نقص المبادرات، بل من فائض الأوهام، وحين تُدار السياسة بما يُتمنى لا بما هو قائم، لا تُحلّ الأزمات، بل يُعاد إنتاجها بكُلفة أعلى، وفي كل جولة تفاوض مؤجلة، لا يُشترى السلام، بل يُمنح التهديد زمناً إضافياً ليصبح أكثر كلفة وتعقيداً.

*كاتب وباحث إماراتي.