لو أن الجيش الأميركي الذي خلص الشعب العراقي من سفاحي حزب (البعث) ومن أبشع حكم إجرامي عرفته البشرية طوال تاريخها الحديث والقديم، لو أن هذا الجيش كان جيشا عربيا لسارع منذ اليوم الأول لوجوده فوق أرض العراق إلى وضع صور (الرئيس القائد المناضل المغوار جورج دبليو بوش) فوق الكتب والكراسات الدراسية لطلاب المدارس العراقية بدلا من صور السفاح صدام، تطبيقا للمثل العربي القائل (مات الملك عاش الملك). ولكن لأن الجيش الأميركي ليس عربي الوجه واليد واللسان، فإنه لم يعرض طلاب العراق لخطر الإصابة بالجنون وبالأمراض النفسية، فلم يضع تماثيل بوش ولا صوره فوق الميادين وفي الشوارع وفوق الكتب المدرسية بدلا من صور المجرم السفاح صدام التكريتي.
دراسة طريفة وضعها مجموعة من الباحثين والباحثات من مختلف الجامعات العراقية بالتعاون مع معهد متخصص في شؤون دراسات الأطفال في الولايات المتحدة الأميركية عن الأوضاع النفسية لطلاب المدارس في العراق، وخرجت بنتيجة غريبة. فقد أفضت البحوث المقدمة إلى نتيجة مفادها أن أكثر من 86% من طلاب المدارس في المرحلة الدراسية الدنيا، و77% من المرحلة المتوسطة والثانوية، قد تخلصوا من عقدة ورعب وخوف مزمن كان يصاحبهم ويصاحب من كانوا في مثل أعمارهم من طلاب المدارس إبان الاغتصاب الذي تعرض له العراق طوال ثلاثة عقود من عبث البعثيين بكل القيم الإنسانية بقيادة السفاح والمجرم صدام حسين. فقد أشارت الدراسة إلى أنه بعد مضي نصف العام الدراسي على طلاب المدارس في العراق، فإن أغلب التلاميذ تخلصوا من (فوبيا) صور السفاح صدام التي كانت تلتصق بكل زاوية من زوايا حركتهم طوال عامهم الدراسي. عند بوابات المدارس، عند مداخل الفصول الدراسية، في غرف الدراسة والقاعات والصالات الرياضية، وأهم من هذا وذاك الرعب الذي كانت تتركه في نفوسهم صور السفاح الملصقة فوق كراساتهم الدراسية!
طلاب المدارس في العراق بدؤوا عامهم الدراسي هذا العام بدون أن يصطحبوا معهم كراسات تحمل صور المجرم الذي غسل يديه بدماء كل العراقيين تقريبا. فلم تصبهم صدمة وجود منظر (الشيطان) فوق كتبهم الدراسية وكراساتهم التي يتلقون العلوم منها. كما أنهم لم يبدؤوا عامهم الدراسي بالتفاهات وبحفظ التاريخ الأسود لحزب البعث.
الباحثون الذين درسوا الآثار النفسية للشهور الثلاثة الأولى من العام الدراسي على طلاب المرحلة الابتدائية الدنيا والعليا، لاحظوا أن أكثر من 85% منهم يتمتعون بالاستقرار النفسي، أما طلاب ا لمراحل التالية فإن النسبة هبطت إلى حوالى 75% حيث خلصت الدراسة إلى أن حوالى 25% من طلاب المراحل الثانوية والمتوسطة مازالوا يعانون من عقدة الرعب من وجود صور (الرئيس القائد المناضل الرفيق صدام حسين)! فوق كتبهم وكراساتهم المدرسية خلال السنوات التي سبقت تحرير العراق من بين براثن مافيا (البعث)· فقد كانت تلك الصور مصدر رعب حقيقي وسببا للعديد من الأمراض النفسية التي كانوا يشكون منها في الماضي. وعلى المنوال نفسه تحسنت الأحوال النفسية للعراقيين الذين بدؤوا لأول مرة منذ استنشاقهم نسائم الحرية بالتعامل مع عملة عراقية جديدة لا تنجسها صور صدام. ومن غير أن أقوم بأية دراسة ميدانية، فإنني أجزم أن تكون أحوالهم النفسية مختلفة تماما عن السنوات التي تعاملوا فيها بالعملات التي كانت تحمل صور هذا الشيطان الرجيم.


