المحامون والإسلام: جدل حول شرعية المهنة!
هاجم "الإسلام السياسي" مهنة المحاماة بقسوة في البداية، ثم ندم عندما اكتشف أهميتها كأداة في خدمة الدفاع عن مصالح الأحزاب الإسلامية، والصراع ضد خصومها، ومطاردة أحرار الفكر والمجددين في العالم العربي عموماً. ولعل أبرز الأصوات الإسلامية الأصولية التي هاجمت المحامين، كان الداعية الباكستاني البارز، أبو الأعلى المودودي، في كتابه المعروف "نظرية الإسلام وهَدْيه في السياسة والقانون والدستور".
فقد تناول ضمن حديثه عن إصلاح نظام المحكمة حرفة المحامين وطالب بإلغائها، كأول متطلبات إجراء الإصلاح، وقال:"إن هذه الحرفة من أكبر معايب النظام الحاضر للمحكمة، بل لعلها أكبرها وأشنعها. ولا يمكن أن تقال أي كلمة في تبرير بقائها من الوجهة الخلقية. أما من الوجهة العملية فليست هناك حاجة حقيقية لأعمال المحكمة لا يمكن سدها بطريق غير طريق المحامي."
وعن تعارض المحاماة مع العدالة الإسلامية يقول: "إن حرفة المحاماة مما يأبى مزاج الإسلام وجوده إباء شديداً، ومن المحال-ما بقي لها الرواج في محاكمنا- أن يسري القانون الإسلامي بروحه الصحيحة ويؤتي ما يرجى منه من ثمرات... فبناءً على كل هذا أرى من اللازم أن نعمل على إلغاء حرفة المحاماة وتطهير المحاكم من شناعاتها تدرجاً".
ويرى المودودي، مؤسس الجماعة الإسلامية الباكستانية، في مهنة المحاماة حرفة مادية جشعة بلا مبادئ! فيقول:"إن المحامي يأخذ محله في السوق ببضاعة مهارته في القانون، ولا يهمه في قليل ولا كثير، ما إن كان موكله على الحق أو الباطل، مجرماً أو غير مجرم، يريد أن ينال مظلمته أو أن يهضم حق غيره؟ لا يهمه أن يتعرف غاية القانون وروحه، وما إن كانت قضية موكله صحيحة أو غير صحيحة بموجبها؟ وإنما الذي يهمه- قبل كل شيء وبعده- أن يكون موكله قد أدّى إليه "قيمة أتعابه"، فعليه ألا يترك حيلة دون أن يأتيها في المدافعة عنه، وهو لا يبالي أن يصير المجرم بريئاً والبريء مجرماً، لأنه لا يحترف بحرفة المحاماة لحماية الحق ونصرة المظلوم، ولا غاية له منها إلا المال والمال فقط، فكل من أعطاه المال من الخصمين، فهو على الحق في نظره. وإني أتساءل: هل من الممكن أن يُبرّر الاحتراف بالقانون على هذا الوجه بأي مبدأ من مبادئ الأخلاق"؟
ويرى المودودي أن سلبيات وشرور المحاماة لم تنحصر بالمحاكم وحدها، فـ"الحقيقة أن هذه الحرفة، حرفة المحاماة، ما ضرت نظامنا للعدالة والإنصاف فحسب، وما شجعت الناس في مجتمعنا على معاكسة القانون بدل أن تحملهم على إتباعه، بل قد تسربت مضرتها كذلك إلى كل مظهر من مظاهر حياتنا الاجتماعية، ولأجلها دخل ما دخل من الفساد والاختلال في سياساتنا".
ويختتم الداعية الباكستاني (1903-1979) هجومه الكاسح على مهنة المحاماة فيقول: "إن الإسلام ليأبى هذه الحرفة إباء شديداً، ولا مكان لها البتة في نظامه القضائي، لأنها نقيضة لروحه ومزاجه وتقاليده. لقد قام الحكم الإسلامي في أكثر من نصف الدنيا في الاثني عشر قرناً الماضية، فلا نرى لهذه الحرفة عيناً ولا أثراً في نظامه القضائي. بل كان عندنا بدلاً منها منصب الافتاء، فعلينا أن نجدده اليوم مرة أخرى". (نظرية الإسلام وهديه، بيروت 1983، ص 223).
ومن الإسلاميين البارزين الذين هاجموا مهنة المحاماة شيخ العرب الأفغان، د. عبدالله عزام؛ فقد ذكر في كتابه "العقيدة وأثرها في بناء الجيل": "قال بعضهم إن عمل المحامي حرام لأنه يترافع أمام الطاغوت ويوقر الحكم بأحكام الكفر، ويبجل القضاة الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، وقد تدخل المبالغات والزيادات والتهويلات في مرافعاته". (ص181).
ومن المقالات الإسلامية التي أثارت ضجة كبرى في هذا المجال مقال د. خادم حسين، في مجلة الأمة القطرية، العدد الرابع والثلاثون، سبتمبر 1982. وقد ذهب فيه إلى أن مهنة المحاماة من المهن المحرمة في الشريعة الإسلامية، فقد دخلت هذه المهنة إلينا من أوروبا التي استعمرت بلادنا، والإسلام لا يبيح التوكيل بالخصومة إلا اضطراراً، والأجر الذي يستحقه المحامي مجهول يحيط به الغرر من كل جهة، وأصول الشريعة لا تبيح صفقات الغرر، والتوكيل بدفع الحد عن المتهم لا يصح في الإسلام...".
ويقول باحث بالدراسات الفقهية والقانونية د. مسلم محمد اليوسف، في كتابه "المحاماة في ضوء الشريعة الإسلامية والقوانين العربية"، بيروت، 2001، إن المحرمين لمهنة المحاماة قليلون، أما المجيزون فهم كثر جداً. (ص85).)
ويرى المؤيدون للمهنة أن لها جذوراً وأصلاً في الشريعة، وتدعى "الوكالة بالخصومة"، ويدعم هؤلاء موقفهم مثلاً بالحديث النبوي المعروف، "إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم ألْحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من قطع النار". (نظام الحكم فكي الشريعة، ظافر القاسمي، ص383).
ويورد د. مسلم اليوسف عدة استشهادات تدافع عن شرعية المهنة من نصوص القرآن والسنة والتراث، ولكن د. اليوسف يستثني "أهل الذمة" من العمل في هذه المهنة. فبموجب الأحكام الشرعية، يقول، "يستطيع أهل الذمة أن يعملوا جميع الأعمال ما عدا أعمال قليلة لها حدود وشروط. ومن هذه الأعمال على ما أعتقد المحاماة عند المسلمين" (ص147).
ويقول، قال الإمام المالكي، ابن عبدالسلام: "منع العلماء أن يوكل المسلم الذمي، لأنه لا يتقي الحرام في بياعاته وسائر معاملاته".
ويقول د. اليوسف: "إن فتوى الإمام مالك رضي الله عنه واضحة وضوح الشمس بعدم توكيل الذمي في البيع والشراء بوجه عام والخصومة بوجه خاص، ولا جرم بعدم صحة توكيل المحامي الذمي لمخاصمة المسلمين.
ويضيف د. اليوسف: "قال إمام الشيعة الخميني: "لا يصح توكيل الكافر لاستيفاء حق من مسلم، أو مخاصمة معه، وإن كان ذلك لمسلم.
وهناك كذلك فيما يبدو جدل في شرعية أتعاب المحامي وهو ما يسمى "الجعل" في الشريعة، "حيث اختلف الفقهاء في الجعل على الخصومة ما بين تحليل وكراهة". ويضيف د.اليوسف: "ما يفعله بعض الناس من إعطاء المحامين نسبة مئوية من مال الدعوى التي يربحونها كأتعاب لهم، فإن هذا اللون من الأتعاب لا يصح شرعاً أبداً. والمشروع هو تحديد جعل يُتفق عليه قبل بدء العمل وعند التوكيل، ويستحق هذا الجعل عند الانتهاء من العمل، ولا يصح بدل الأتعاب إذا حدد بنسبة معينة بل يجب أن يكون محدداً ومعلوماً مع مراعاة كل قضية وظروفها". (ص224-225).
والذي نراه في دول عربية عديدة أن "المحامين الإسلاميين"، وهم بأعداد كبيرة، متعاطفون مع الجماعات المتشددة أو بالإسلام السياسي ومؤسساته، يستفيدون من "القوانين الوضعية" و"المبادئ المستوردة" ما دامت مفيدة لهم في عملهم، معززة لأوضاع الجماعات التي يدافعون عنها. ولا نسمع لهم صوتاً إن كانت المياه والرياح لصالح سفينتهم!