أثارت جهود واشنطن غير العلنية التي انخرطت فيها وكالة الاستخبارات المركزية قصد تمويل أمراء الحرب الصوماليين انتقادات واسعة في أوساط المسؤولين في الحكومة الأميركية الذين قالوا إن المساعي الأميركية لم تسهم سوى في إعاقة جهود مكافحة الإرهاب في الصومال، وتعزيز شوكة الجماعات الإسلامية التي كان الهدف في البداية هو عزلها وإبعادها عن الساحة السياسية. وقد جاءت هذه الانتقادات على نحو شخصي على لسان مجموعة من المسؤولين الحكوميين المطلعين على الأنشطة الأميركية في الصومال. وهي الأنشطة التي بدأت تتسرب أخبارها، خلال الأسبوع الماضي، حتى قبل ورود أنباء عن تحقيق المليشيات الإسلامية انتصارات عسكرية على خصومها موجهة بذلك ضربة قوية إلى السياسة الأميركية في المنطقة بعدما استطاعت فك سيطرة أمراء الحرب على مقديشو ودخولها منتصرة. إلى ذلك ذهب المسؤولون الأميركيون إلى أن الأنشطة الاستخباراتية التي كانت تدار من فرع وكالة الاستخبارات المركزية في نيروبي اقتصرت على تمرير مئات الآلاف من الدولارات طيلة السنة الماضية إلى أمراء الحرب العلمانيين في الصومال بهدف تعقب وقتل أعضاء مشتبه في انتمائهم إلى تنظيم "القاعدة". وقد ولدت فكرة استخدام وكلاء محليين لمحاربة الإرهاب حسب المسؤولين الحكوميين المطلعين على الجهود الأميركية نتيجة المخاوف المشروعة التي تنطوي عليها عملية إرسال قوات أميركية إلى الصومال، لاسيما بعد التجربة المريرة التي خاضتها الولايات المتحدة في 1994 عندما دخلت في معارك ضارية مع المسلحين بعدما حاولت القبض على محمد فارح عيديد فأسفرت عن مصرع 18 جندياً أميركياً وانسحااًب فورياً من البلاد. ومنذ ذلك الوقت والجهود الأميركية منحصرة في قيام ضباط الاستخبارات المركزية برحلات من نيروبي إلى المناطق التي يسيطر عليها أمراء الحرب ومعهم مبالغ مالية كبيرة يتم توزيعها على المليشيات الصومالية. ومن بين الأصوات المنتقدة للعمليات التي تقوم بها الاستخبارات المركزية في الصومال، يبرز موظفون كبار في السفارة الأميركية بكينيا. ففي مطلع السنة الجارية بعثت "ليزلي رو"، ثاني أكبر مسؤولة في السفارة الأميركية بنيروبي برسالة إلى وزارة الخارجية ضمنتها القلق المتصاعد في المنطقة جراء العمليات الأميركية في الصومال. وعلى صعيد متصل تم نقل المسؤول السياسي في وزارة الخارجية الأميركية المكلف بالصومال، الذي كان يعمل في نيروبي، إلى تشاد بسبب جهره بانتقاداته للسياسة الأميركية، ومعارضته عبر رسالة بعث بها إلى واشنطن إقدام واشنطن على مساعدة أمراء الحرب. وفي انتقاد آخر نبَّه أحد المسؤولين الحكوميين الذي زار نيروبي خلال السنة الجارية إلى المخاوف التي ما فتئت تبديها الوكالات الأميركية المختلفة العاملة في الصومال من افتقاد الأنشطة الاستخباراتية الأميركية في البلاد لسياق شامل تعمل في إطاره. وتابع المسؤول الأميركي قائلا: "لقد كان واضحاً أن الجهود الأميركية تتم خارج إطار استراتيجي، رغم دراية المسؤولين بالنتائج السلبية المحتملة لأنشطتهم في الصومال". يذكر أن تفاصيل المساعدات الأميركية إلى أمراء الحرب الصوماليين مازال يلفها الكتمان ولم يوافق المسؤولون الحكوميون، سواء المؤيدين لتلك الأنشطة، أو المعارضين لها، على الحديث إلا بعد التعهد بعدم كشف أسمائهم. وعندما سئل "توماس كيسي"، المتحدث باسم وزارة الخارجية عن الشكاوى التي يبديها بعض المسؤولين الأميركيين أجاب قائلاً: "لن أدخل معكم في نقاش حول السياسات الداخلية في الوزارة، لكن أؤكد بأن الوزيرة تشجع أي مسؤول على إبداء رأيه حتى ولو كان مخالفاً". وينتقد بعض الخبراء الأميركيين في شؤون إفريقيا الشرقية تركيز الولايات المتحدة على تعقب بعض الأشخاص المشتبه بهم وإغفال المعركة الأكبر الخاصة بمحاربة الإرهاب. والأكثر من ذلك يرجح بعض المراقبين أن تكون الجهود الأميركية لتمويل أمراء الحرب العلمانيين عاملاً مهماً في صعود الميلشيات الإسلامية. فهم يرون أن تقديم المساعدات المالية السخية إلى تحالف إعادة السلام ومكافحة الإرهاب دفع القوى الإسلامية الناشطة في البلاد إلى تكثيف جهودها وشن هجمات استباقية على خصومهم أفضت في النهاية إلى هزيمة وكلاء أميركا في الصومال بعد اجتياح العاصمة مقديشو. يشار إلى أن التمويل الأميركي لأمراء الحرب الصوماليين كان يرمي إلى تأمين تعاون الميلشيات في القبض على عناصر "القاعدة" الذين يعتقد في ضلوعهم في الهجمات التي تعرضت لها السفارتان الأميركيتان في كينيا وتنزانيا. وقد توثقت الصلات بين الأميركيين وأمراء الحرب الصوماليين بعد الهجوم الذي استهدف أحد الفنادق في مومباسا بكينيا، فضلاً عن المحاولة الفاشلة لإسقاط طائرة كانت متوجهة إلى إسرائيل. فمباشرة بعد حدوث تلك الهجمات شرعت الولايات المتحدة في الاتصال بأمراء الحرب على أمل الحصول على معلومات تقودهم إلى إلقاء القبض على العناصر المسؤولة. وحسب تقرير أصدرته "مجموعة الأزمات الدولية"، عرفت السياسة الأميركية بعض النجاح عندما تمكنت إحدى الميلشيات التي تمولها واشنطن من القبض على أحد عناصر "القاعدة" البارزين الملقب بسليمان عبدالله سليم حميد في أبريل 2003 وتسليمه للمسؤولين الأميركيين. وقد أسفرت المعارك التي شهدتها العاصمة الصومالية في الأيام الأخيرة عن محاصرة الميلشيا التابعة لـ"اتحاد المحاكم الإسلامية" لمقديشو، حيث تمكنت القوى الإسلامية من دخولها بعد قتال عنيف خلف 330 قتيلاً على الأقل في الجانبين أغلبهم من المدنيين. ورغم وجود حكومة انتقالية، فإنها عجزت عن فرض الأمن في العاصمة واقتصرت على مناشدة الأطراف المتصارعة على وقف القتال. وفي تطور آخر بعث "اتحاد المحاكم الإسلامية" برسالة إلى الحكومة الأميركية يحمِّل فيها أميركا المسؤولية عن اندلاع المواجهات المسلحة بسبب وقوفها إلى جانب أمراء الحرب، حيث جاء فيها "إن دعم الحكومة الأميركية لأمراء الحرب أسهم بشكل مباشر في تأجيج القتال في مقديشو وأدى إلى إزهاق أرواح العديد من الأبرياء الذين عانوا الأمرَّين من المليشيات المسلحة". وعلى إثر الهزيمة التي مُنيت بها القوات التابعة لـ"التحالف من أجل إعادة السلام ومكافحة الإرهاب"، اتجهت قواته نحو مدينة جوهر آخر معاقله التي تبعد بحوالى ستين ميلاً عن العاصمة. وإذا ما استطاعت القوات الإسلامية الزحف على المدينة وطرد أمراء الحرب منها، فإنها ستكون قد بسطت سيطرتها بشكل كامل على سائر المدن الجنوبية في الصومال. ــــــــــــــــــــــ مارك مازيني عضو هيئة تحرير "نيويورك تايمز" ــــــــــــــــــــــ محمد أولاد حسن مراسل "واشنطن بوست" في الصومال ـــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمتي "نيويورك تايمز ولوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"