لماذا لا يهتم الجمهور الأميركي بمعاناة العراقيين؟
الأميركيون الموسرون والمرتاحون والمزهوون بأنفسهم، لا يهتمون بالمدى الزمني الذي يمكن أن تستمر فيه حرب العراق، طالما أن الذي يتحمل ويلات تلك الحرب أناس آخرون. فإذا ما أصبحت تغطيات شبكاتهم التلفازية كئيبة أكثر مما ينبغي، فإن كل ما يفعله المشاهدون الأميركيون هو الضغط على زر وتغيير القناة، ثم مواصلة التهام كيس من رقائق البطاطس المقلية ومتابعة برامج أكثر بهجة وأقل قتامة. فالحرب دوما مسببة للكآبة وخير علاج لها هو إنكارها أو تجاهلها!
لكن ما الذي يمكن أن يدفع المواطنين العاديين، ورجال الدين والوطنيين الأميركيين إلى التفكير في دورهم ومسؤوليتهم عن تلك المذبحة الرهيبة الدائرة حالياً في العراق والتي لا تبدو لها نهاية؟
والملاحظ أن الأمة الأميركية تنكر حرب العراق إنكاراً عميقاً. فلسنوات حاول الرئيس وطاقمه الذي يتكون من شخصيات تتسم بالغطرسة والبلطجة السياسية، أن يضفي المشروعية على الحرب الدائرة في العراق. بل لم يكن لدى هؤلاء أية فكرة عما يقومون به عندما أمروا بغزو العراق، ولا أعتقد أن لديهم فكرة حتى الآن. والدليل على ذلك أن الكثيرين من الجنود الذين ذهبوا إلى العراق، وهم يعتقدون أن العراقيين سوف يرحبون بهم بل وينثرون لهم الزهور، قد أصبحوا الآن في عداد الموتى.
فبول وولفوفيتز الرجل الذي صاغ الأسس الفكرية الزائفة للكارثة المروعة التي تجري الآن، قال لنا ذات مرة إن عائدات النفط العراقي سوف تغطي تكلفة إعادة الإعمار، وتبين لنا فيما بعد أنه كان مخطئا بنفس الدرجة التي كان الرئيس بوش مخطئا فيها بصدد موضوع أسلحة الدمار الشامل، وبالدرجة نفسها كذب ديك تشيني حين قال في شهر يونيو من العام الماضي إن التمرد يلفظ أنفاسه الأخيرة!
وهاكم حقائق ما يجري الآن: فالحرب التي شنتها الولايات المتحدة بدرجة كبيرة من الاستهتار والطيش، وبالاعتماد على الهواة الموجودين في إدارة بوش، أدت إلى مصرع عشرات الآلاف، وستكلف الولايات المتحدة خسائر تتراوح ما بين تريليون واثنين تريليون دولار.
والمدهش أنه لم تتم محاسبة أحد على ذلك. فرغم أن نسبة تأييد بوش قد وصلت إلى مستويات دنيا، فإن الجمهور الأميركي ظل إلى حد كبير لا مبالياً بالمعاناة العميقة التي يكابدها الشعب العراقي. ويرجع هذا إلى سببين رئيسيين: أولهما أن معظم الأميركيين ليس لديهم مصلحة مباشرة أو اهتمام فوري بما يدور في الحرب، وثانيهما أن وسائل الإعلام الأميركية تبقي الجزء الأكبر من معاناة العراقيين بعيدا عن أنظار الشعب الأميركي. فقتل الأميركيين على سبيل المثال عادة ما يتم تداوله بشكل عابر في الصحف الكبرى وفي نشرات الأخبار الإذاعية.
أما الآلاف المؤلفة من العراقيين الذين قتلوا، بمن فيهم الأطفال الذين قضوا رميا بالرصاص وتمزقوا إلى أشلاء أو أُحرقوا، فلا يعرف عنهم الجمهور الأميركي شيئًا. فالمسألة إذن لا تقتصر على أن هناك مبالاة ضئيلة جدا بمعاناة العراقيين بل يمكن القول إنه لا يوجد فعليا أي شعور بين الأميركيين العاديين بمسؤوليتهم المشتركة عن تلك المعاناة.
ورغم بعض مظاهر الفنتازيا التي يعبر عنها بوش وكبار سياسيي حزبه، فإن انتصار أميركا في العراق لا زال يمثل حتى الآن وهما من الأوهام. علاوة على ذلك نجد أن العنف الدموي ما زال يتزايد حدة ولم يقِل كما كان متوقعا. فالوضع في العراق لا ينحو نحو التهدئة بل يتجه لمزيد من التوتر، حيث قام رجل مؤخرا بتفجير نفسه في سوق مكتظ بالناس، مما أدى إلى مقتل 27 شخصا ومصرع العشرات. وفي يوم الأحد الماضي تم إيقاف حافلة كانت تسير في طريق عمومي خارج بعقوبة وإخراج ركابها وإطلاق النار عليهم وقتلهم جميعاً.
وقد كتب جون بيرنز في عدد "نيويورك تايمز" الصادر الأربعاء الماضي: "ارتفع عدد القتلى جراء واحدة من أبشع موجات الهجمات الأخيرة في قرية حديد، بالقرب من بعقوبة وهي عاصمة محافظة ديالى إلى 17 شخصا يوم الثلاثاء الماضي، عقب قيام الشرطة بتسليم سبعة رؤوس مقطوعة كانت موضوعة في صندوق فاكهة ملقى في أحد شوارع القرية إلى مشرحة المدينة".
ويُذكر أنه كان قد تم من قبل العثور على ثمانية رؤوس أخرى مقطوعة. وهكذا فإننا بدلا من أن نقوم بالانسحاب من العراق كما كان يفترض، إذا بنا نقوم بإرسال المزيد من القوات إلى هناك. والحكومة العراقية الدائمة التي كان يفترض أن يكون تشكيلها قد مثل استجابة لدعوات العراقيين، اتضح أنها حكومة سيئة الطالع.
لقد تبين لنا الآن أن مهمتنا في العراق كانت هي الأخرى مهمة مستحيلة تماماً مثلما كانت مهمتنا في فيتنام. فليست هناك مهمة محددة للجنود الأميركيين في العراق الآن، وليس هناك أحد يستطيع أن يشرح لنا السبب الذي من أجله فقد العراقيون وفقد الجنود الأميركيون حياتهم ومع ذلك فإن أعمال القتل لا زالت تتواصل.
وعندما ينتهي كل هذا ذات يوم (وهو ما لن يحدث في فترة بوش كما يقول هو نفسه) فإننا سنتلفت حولنا ونطالع الخسائر الرهيبة في البشر والمال، ونسأل أنفسنا: ماذا كنا نظن الحرب بحق السماء؟
ـــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"