حول التوجهات السياسية والثقافية لـ"حزب الله"
تناولنا في مقال سابق، بدايات تشكل جماعة "حزب الله" خلال المخاض الصعب المعقد للثورة الإسلامية في إيران 1978-1979، والمسؤول القيادي داخل الثورة الذي أشرف على تنميتها وتوجيهها والاستفادة منها في ترسيخ السلطة الجديدة وقيادتها الدينية. ونحاول في هذا المقال أن نستكمل الحديث عن تلك البدايات لنصل بها إلى المرحلة الراهنة. يدرس الباحث الإيراني "حجت مرتجى" في كتابه "التيارات السياسية في إيران اليوم"- الذي قام بترجمته "سالم كريم" وطُبع عام 1999- بدايات تشكل تيار "حزب الله"، كما يعرض تفاصيل فكره السياسي والاقتصادي وغيره.
ويرى "مرتجى" أن الجذور التاريخية لتيار أنصار "حزب الله"، تعود إلى بدايات انتصار الثورة، حيث كان أنصاره ينشطون في إطار "ألوية حزب الله" في مجابهة أنصار منظمة "مجاهدي خلق" ومؤيدي حسن بني صدر، أول رئيس للجمهورية الإسلامية، الذي هرب فيما بعد بشق النفس إلى باريس، وكذلك في مجال مكافحة معارضي الحجاب الإجباري.
ويبدو أن الحرب العراقية-الإيرانية كانت من أهم العوامل في تشكيله، فإلى ما قبل انتهاء هذه الحرب، فيما يبدو، لم تكن لهذا التيار هوية سياسية مستقلة. ولكن عودة الشبان من جبهة الحرب، وكانوا قد خاضوا فيها تجارب قتالية مؤلمة وتعبئة عقائدية مكثفة، جعلتهم يصطدمون داخل المدن بأوضاع متناقضة مع تصوراتهم المثالية والدينية للثورة وشعاراتها. ويقول الباحث إن بدايات "حزب الله" كانت من "التجمعات المختلفة التي شكلها المقاتلون بعد عودتهم من الجبهات إلى المدن". ولكن هذا التحديد يتعارض مع ما عرضناه في مقالنا السابق، حيث يربط الباحث الإيراني "شاول بخاش" هذه البداية بتكتيكات "الحزب الإسلامي الجمهوري"، ودور رجل الدين "هادي غفاري" في تجنيد هذه الألوية. كتاب (The Reign of the Ayatollahs, P.67).
ولعل هذا ما يؤكده مدير تحرير صحيفة "شلمجة"، الناطقة باسم الحزب، أ. "مسعود دِهْ نمكي"، إذ يقول: "إلى ما قبل عام 1989 لم يكن يوجد في الواقع شيء اسمه "أنصار حزب الله"، ولم يكن لهذا الاسم ذكر. وفي ذلك الوقت كانوا ينشطون تحت اسم "حزب الله طهران"، وقد استمر هذا الوضع إلى عام 1983. وأخذ اسم أنصار "حزب الله" يتم تداوله على الألسن من بعد عام 1983.
وتعكس مواقف ومطالب وشعارت "حزب الله" في إيران توجهات شعبوية مذهبية ريفية مثالية، تختلط فيها مطالب الشريحة الاجتماعية الفقيرة بشعارات الثورة الإيرانية. ويرى أنصار "حزب الله" أنه ليس للناس دور في انتخاب "الولي الفقيه"، أو المرشد الروحي للبلاد الذي بيده في الواقع، أعلى السلطات وأكثرها حسماً. فمنصبه "منصب من قبل الله"، وهو "يستمد جميع صلاحياته منه تعالى"، كما أنه "مسؤول أمام الله وحده"، وله "الحق في تعطيل بعض الأصول الشرعية عند الضرورات"، كما صرح "حسين كرم الله"، أحد زعماء التيار!
ويعطي الحزب مرشد الثورة وحده صلاحية اتخاذ القرارات بشأن المصالح الوطنية والاستراتيجية للبلاد. ومن هنا، فإن دور مجلس الشورى الإسلامي "دور شكلي يقتصر على المصادقة على أوامر وتوجيهات قائد الثورة". ومن غريب أمر هذا التيار أنه لا ينظر إلى نفسه كحزب، حيث يعارض أنصار "حزب الله" نشاط الأحزاب السياسية، ولا يرى مكاناً لعمل الأحزاب السياسية المختلفة. ويقول "حسين الله كرم" نفسه: "إذا قبلنا بالتعددية وقلنا إن السيادة تأتي عن طريق إرادة الناس، فلابد أن تُعد ولاية الفقيه باعتبارها تأتي بعد رأي الناس". ويرفض أنصار "حزب الله" الأحزاب السياسية "التي هي وليدة الديمقراطيات الغربية". ومن هنا، لا يؤمن التيار بمشاركة الجمهور في الحياة السياسية في إطار الأحزاب والتنظيمات السياسية، وإن كان يولي أهمية كبيرة لمشاركة الناس في الانتخابات والمسيرات، حيث ينظر لمثل هذه المشاركة باعتبارها "أداء للواجب الشرعي". (التيارات السياسية، ترجمة سالم كريم، عن صحيفة -يا لثارات الحسين- 1/2/1996).
ويرفض أنصار "حزب الله" الحريات السياسية والقانونية، ويسعون إلى منع الآخرين من العمل. وفي البيان الثاني لأنصار "حزب الله" ورد صراحة، "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يشترط فيه إجازة، ذلك أن الدستور يعتبر هذا التكليف الشرعي واجباً وطنياً وشعبياً".
وتفتخر صحيفة "يا لثارات الحسين"، 4/5/1996، بمنع إقامة مراسيم الاحتفال بالذكرى الأولى لوفاة المهندس "مهدي بازركان"، ومنع السيد "عطاء الله مهاجراني" في مشهد من إلقاء كلمته حول شخصية جمال الدين الأفغاني. ويعارض "حزب الله" النمو الكمي للصحف، ويرى أنه قد ترتبت على ذلك خلال الأعوام 89 إلى 92 إلحاق "ضربات وأضرار بالثقافة الدينية والثورية"، في البلاد! ولا يولي أتباع التيار اهتماماً كبيراً بإدارة أهل الاختصاص للبلاد وحكومة التكنوقراط، بل يشترطون الولاء والتركيز على "طاعة القيادة والتواضع والنزول إلى مستوى عيش الفقراء والمعدمين في المجتمع، ومساندة الدولة الإسلامية والثورية في خط الولاية". وعلى صعيد السياسة الخارجية يدعم أنصار "حزب الله" مبدأ "تصدير الثورة"، ويغلبون "المصالح الإسلامية" على المصالح الوطنية، ويطالبون الدولة بتقديم الدعم المالي لـ"خلايا حزب الله المنتشرة في العالم"، ويقولون صراحة إن "المصالح الوطنية لا يمكن أن تضمن استمرار الثورة على المدى البعيد". ويتبنى التيار معارضة الغرب والولايات المتحدة ويرفض بشدة إقامة أي علاقات مع أميركا.
وفي المجال الاقتصادي، يعارض أنصار "حزب الله" خصخصة الاقتصاد، بل يدعون إلى توسيع القطاع العام، وزيادة تدخل الدولة لحماية الطبقات الفقيرة، كما ينادي التيار بتحقيق الاكتفاء الذاتي وتبني سياسات التقشف الاقتصادي وخفض الإنفاق وقطع الاستيراد، وإعطاء الأولوية للعدالة الاجتماعية. وقد انتقد تيار أنصار "حزب الله" في بيانه الأول الرأي الذي يتبناه أنصار الاقتصاد الحر، والذي يقول إن العدالة الاجتماعية ستتحقق من تلقاء نفسها من خلال التنمية الاقتصادية، واعتبر "أن هذا الرأي يتنافى مع مبادئ الفكر الإسلامي".
ونقف أخيراً عند الرؤى الثقافية والاجتماعية للتيار، فنراها في غاية المحافظة والتزمت. فالتيار يدعو إلى فرض رقابة صارمة على الإنتاج الثقافي قبل النشر، ويعتبر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي بمثابة "حارسة الحدود الأيديولوجية للإسلام والثورة"! ويعارض التيار زيادة وتنوع الإنتاج الثقافي. وتقول دورية "يا لثارات الحسين"، 28/7/1996، "إن من المعالم البارزة للغزو الثقافي انتشار مئات الصحف في السنوات الأخيرة". وبالنظر لإيمان هذا التيار بنظرية المؤامرة، فإنه يعارض كل أنواع التبادل الثقافي بما في ذلك ترجمة المقالات من الصحف الغربية: "إن من المعالم البارزة للغزو الثقافي ترجمة ونشر موضوعات من الصحف الغربية التي تصب في خانة ترويج إعلام الأعداء الدوليين المعادي للدين والثقافة".
ومن الناحية الاجتماعية، يولي التيار، أهمية قصوى إلى المظهر الخارجي للرجال والنساء في الحياة العامة. ومن المسائل التي يوليها الاهتمام في هذا المجال، يقول الباحث، "يمكن الإشارة إلى نوع اللباس، ونوع الحجاب بالنسبة للنساء، والفصل بين الرجال والنساء في الحياة العامة". ويحذر أحد أعضاء أنصار "حزب الله" كل من يرتدي الأزياء الغربية أو يضع ربطة العنق. ويرى أنصار التيار: " أنه لا يوجد لباس جدير بالمرأة الإيرانية أفضل من الشادر الأسود". ويوصون الإذاعة والتلفاز بـ"الامتناع عن بث البرامج الرياضية التي لا يرتدي فيها اللاعبون لباساً كاملاً إسلامياً وخصوصاً سباقات المصارعة التي يحرم على نصف المجتمع النظر إليها".
وينتقد أنصار التيار عرض بعض اللوحات في المتاحف الإيرانية! ويطالبون بتعيين يوم لمكافحة "الثقافة الغربية المبتذلة"، وإدخال "مكافحة الغزو الثقافي" كمادة دراسية، وتشريع ضوابط قانونية في هذا المجال تطبق بشكل حازم، وفصل النساء عن الرجال خصوصاً في الجامعات ومنع بث الموسيقى الهجينة في سيارات الأجرة، ومنع سائقي سيارات الأجرة عن "توصيل النساء المتساهلات في ارتداء الحجاب."
ويعارض التيار بشدة عدم الفصل بين مجالات عمل ونشاط النساء والرجال. وبشكل عام، لا يؤمن كثيراً بالنشاط النسوي الإنتاجي والاجتماعي خارج المنزل، ويرى أن واجبات النساء تقتصر على "التبعل وتربية الأولاد". وأخيراً، بالنسبة للمؤسسات الثقافية، النافذة الحضارية للانفتاح واللحاق بالعصر، فإن الطلب الملح للتيار، هو أن توضع تحت إشراف فقهاء الدين لـ"منع بروز الانحرافات"!