ديمقراطية تايلاند... خطوة إلى الوراء
أصدرت إحدى محاكم تايلاند يوم الأربعاء حكماً يقضي بحل حزب رئيس الوزراء السابق "تاكسين شيناواترا"، وحرمان أزيد من 100 شخصية من مسؤولي الحزب من مزاولة أي نشاط سياسي لفترة خمسة أعوام، وهو الأمر الذي يقوي قبضة الجيش على السلطة في أفق الانتخابات المقررة لشهر ديسمبر.
ولئن كان الحكم يعزز احتمال توافقٍ بين الحكومة المقبلة والجيش الذي قام بخلع تاكسين في انقلاب أبيض في سبتمبر المنصرم، فإن أحزاب المعارضة لا زالت قلقة من إمكانية أن يواصل تاكسين، الذي يعيش حالياً في منفاه بلندن، ممارسة تأثيره انطلاقاً من الخارج، عبر حزب جديد يديره الأعضاء السابقون في حزب "تاي راك تاي"، والذين لم يشملهم حكم المحكمة.
ففي جلسة مطولة انتهت قبيل الفجر في العاصمة التايلاندية، أدان تسعة قضاة في المحكمة الدستورية حزب "تاي راك تاي" بتهم منح رشاوى لأحزاب صغيرة من أجل المشاركة في انتخابات أبريل 2006 التي قاطعتها عدة أحزاب، والتي أمرت المحكمةُ بإلغاء نتائجها في الأخير. وعلى رغم أن النخبة المؤيدة للانقلاب رحبت بالحكم، فإن المنتقدين يرون أنه عقوبة قاسية وخطوة إلى الوراء بالنسبة لديمقراطية البلاد التي لم تنضج بعد.
وفي هذا الإطار، يقول "جايلز أونغباكورن"، أستاذ العلوم السياسية بجامعة "تشولالونغكورن" في بانكوك، والذي يعد من أشد المناهضين للانقلابات: "إن الحكم كان ذا طابع سياسي؛ وقد أظهرت المحكمة افتقاراً كبيراً إلى الاستقلالية عن النخبة العسكرية الحاكمة"، مضيفاً أن "ما حدث هو أن المحكمة أكملت ما بدأه الانقلاب حتى تستطيع إجراء انتخابات لا يشارك فيها الحزب الحاكم سابقاً... إنها لم تحل المشكلة؛ بل جعلتها أسوأ وأكثر تعقيداً".
وإلى جانب التعديلات الدستورية التي تحد من دور الساسة المنتخبين لصالح القضاة والمشرِّعين، يبدو أن حكم المحكمة يضمن للنخب العسكرية والملكية التي تآمرت على خلع "تاكسين" الحفاظ على مراقبةٍ أكبر للساسة بعد الانتخابات المقبلة. على أن الحكم القضائي برّأ "الحزب الديمقراطي" المعارض من تهم الغش والتزوير، وهو ما يجعله في موقع قوي للتنافس في الانتخابات المقبلة.
الحكم يعزز قانوناً كان الانقلابيون قد فرضوه، ويقضي بحرمان كبار المسؤولين في الأحزاب التي تم حلها من حقوق التصويت لفترة خمس سنوات، ما يعني أنهم لا يستطيعون الترشح لمنصب عام طوال هذه الفترة. في حين كان العقاب السابق يقضي بحرمان المسؤولين الحزبيين الكبار من تأسيس حزب جديد أو المشاركة ضمن مجلس قيادة، ولكن دون الذهاب إلى حد حرمانهم من إمكانية الترشح لمنصب عام.
ولئن كان الحكم موجهاً بشكل واضح ضد تكتيكات "تاي راك تاي" أثناء الحملة، فإن القضاة انتقدوا الحزب باعتباره تهديداً للديمقراطية. وفي هذا السياق، يقول "كيوسان أتيبهودي"، أمين عام لجنة مكلفة بالتحقيق في قضية تاكسين، "إن حزب (تاي راك تاي) أخذ دستورنا وسيَّسه ومارس السلطة لتحقيق أهدافه"، مضيفاً أنه لذلك السبب "فالقضاة على حق حين يقولون إنك خطير، وإن عليك الرحيل، وإننا لا نريد أن نراك مرة أخرى".
وبتفكيك الحزب المهيمن على الساحة السياسية في تايلاند، تكون المحكمة قد خلقت ظروفاً مواتية لإعادة تشكيل المشهد السياسي في تايلاند. غير أن قلة قليلة فقط من التايلانديين تتوقع انتقالاً سلساً نحو الانتخابات المقبلة. فقد وصل "تاي راك تاي" إلى السلطة عام 2001 بفضل سياسات استمالت الناخبين الفقراء والريفيين، مثل الرعاية الصحية الرخيصة، والقروض الصغيرة، ومحاربة تجارة المخدرات والمافيات المحلية... وكان من نتائج ذلك أن دعم حزبُ تاكسين نجاحَه في عام 2005 عبر الفوز بثلاثة أرباع مقاعد البرلمان التايلاندي -ليكون بذلك أول حزب يفوز بالأغلبية التشريعية- عبر استغلال التفاوتات الطبقية الكبيرة في تايلاند.
ويشكك المحللون في إمكانية أن يؤدي حكم الأربعاء، إلى معالجة هذه التصدعات السوسيو- اقتصادية، كما يخشون حدوث اضطرابات. غير أن تاكسين حث، في حوارات متلفزة يوم الخميس، أنصار "تاي راك تاي"، البالغ عددهم نحو 14 مليون شخص، على احترام قرار المحكمة. بالمقابل، كان زعيم الحزب بالنيابة "تشاتورن تشيسينغ" أقل ميلاً إلى التهدئة، حيث علق على قرار المحكمة قائلاً: "هذا ما يناله المرء في حكم ديكتاتوري".
وعلى رغم الخشية من اندلاع احتجاجات على أيدي أنصار تاكسين، فإن بانكوك ظلت هادئة؛ إذ يقول الموالون لتاكسين إنهم سيستمرون في استعمال الوسائل القانونية لمقاومة ما يعتبرونه حكماً سياسياً منحازاً. وفي هذا السياق، يقول "جاكرابوب بينكير"، وهو أحد محامي حزب "تاي راك تاي" الذين تزعموا مسيرات سلمية ضد الانقلابيين: "إذا جلسنا وقبلنا بما وقع لنا، فإن الناس سيفقدون الثقة في العملية السياسية والمسلسل الديمقراطي"، مضيفاً: "أعتقد أنه من واجبنا بذل أقصى ما يمكن لنُظهر للقوى أننا لن نقبل بهذا الأمر وأن النضال سيستمر. أما التحدي الذي يواجهنا، فهو جعل هذا النضال نضالاً مدنياً لأننا لا نريد أن نقع في فخ الجيش".
وقبل صدور الحكم، كان الملك "بوميبول أدولياديج" قد التقى الأسبوع الماضي مع كبار القضاة، وقال إن من شأن أي قرار تتخذه المحكمة أن يؤدي إلى اضطرابات. وعلى رغم غموض كلمات الملك وصعوبة تأويلها، فإن المحللين رأوا أنها محاولة لتلافي أي احتجاجات حول حكم المحكمة.
ـــــــــــــــــــ
مراسل "كريستيان ساينس مونيتور"
ـــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"