"حج المساكين"
الحديث عن العبادات في شهر رمضان، له مذاق ولذة لا يفوقهما أي شيء آخر، لاسيما إذا كان الحديث عن الصلاة، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، إذ تعني الصلاة في اللغة الدعاء، وتعني شرعاً عبادة الله تعالى بأقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. وقد سميت الصلاة بهذا الاسم لأنها تربط بين العبد وربه مباشرة من دون وسيط حيث يكون المصلي بين يدي الله وفي رحابه، وقد فرضها الله تعالى في معراج رسولنا الكريم إلى السماء عندما كان بين يدي ربه في أعظم لقاء يجمع أركان الإسلام كلها.
وكما أن الزكاة تطهر المال، فإن الصلاة تطهر النفس، وخلالها يصوم الإنسان وجوارحه عن جميع المحرمات. وهي تشترك مع ركن الحج في توجه المصلي نحو المسجد الحرام. وكانت الصلاة آخر وصية أوصى بها رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم أمته قبل وفاته.
وتظهر مكانة الصلاة في القرآن في قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع". وقد وصف القرآن الكريم أهل الإيمان بأنهم يقيمون الصلاة حيث يقول تعالى "الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة". وقد خص الله تعالى المسلمين بفريضة جامعة كل أسبوع تضمهم بشكل أكبر وهي صلاة الجمعة وأهميتها أن الناس فيها، كما يقول الإمام النسائي في كتابه الجمعة، يكون حالهم كحال يوم عرفة ليستجاب لبعضهم في بعض ويغفر لبعضهم في بعض، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم "الجمعة حج المساكين" لأنه يحصل فيها ما يحصل لأهل عرفة، ثم إن الملائكة يشهدونهم ويكتبون ثوابهم.
يقول ابن القيم: "ما ابتلي رجلان بعاهة أو داء أو محنة أو بلية إلا كان حظ المصلي أقل وعاقبته أسلم". وقد أثبت العلم الحديث ضخامة الفوائد الصحية والنفسية والروحية التي يحصل عليها المسلم من الصلاة، ومن ذلك دراسة أجرتها "مؤسسة البحوث الإسلامية الأميركية" وأشارت نتيجتها إلى أن صلاة المسلمين تساعد على تليين المفاصل وتخفيف تصلبها، وأنها تقوي جهاز المناعة في الجسم. كذلك توصلت دراسة أجراها "مركز تكنولوجيا الإشعاع القومي" بالقاهرة، إلى أن السجود لله يحمي الإنسان من الإصابة بالأورام السرطانية والعديد من الأمراض الأخرى، وأن صلاة الفجر تزيل الأكسدة والكيماويات التي تتراكم في الجسم أثناء النوم، وأن صلاة الظهر تزيل إرهاق العمل والضغط العصبي والنفسي، وصلاة العصر تزيل ما تبقى، وصلاة المغرب تذهب بكل غريب في الجسم، وصلاة العشاء تكمل منظومة تطهير الجسد.
السؤال المهم هنا: ما هو سر عدم ظهور أثر الصلاة وفوائدها العظيمة عند بعض المصلين؟ الجواب هو أنهم جعلوا من الصلاة مجرد مظهر وشكل، مجرد سجود وركوع وقيام، من دون خشوع أو حضور للقلب، وهذا ما حذر منه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قال لرجل كان يطأطئ رقبته في الصلاة: "يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب".
يقول أبو نوح الأنصاري: وقع حريق في بيت علي بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا يقولون له: يا ابن رسول الله النار، يا ابن رسول الله النار، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ قال: ألهتني عنها النار الأخرى، نار الآخرة. ونُقِل عن معاذ بن جبل قوله: من عرف من على يمينه ومن على شماله وهو في الصلاة متعمداً فلا صلاة له. ويقول التابعي حسن بن عطية: إن الرجلين ليكونا في الصلاة مناكبهما جميعاً وإن ما بين صلاتيهما يكون أحدهما مقبلاً على الله بقلبه والآخر ساهيا غافلا... لذلك وجب أن تذكر ونحن في الصلاة ما قاله ابن مسعود رضي الله عنه: "ما دمت في الصلاة فأنت تقرع باب الملك، ومن قرع هذا الباب يفتح له".