لابد من الاعتراف بدايةً بأن النصر الانتخابي الذي حققته حركة "حماس" في معركة الانتخابات التشريعية الفلسطينية في يناير من عام 2006، وكذلك وضع الحركة يدها بالقوة على قطاع غزة، كانا خبرين سيئين لكل الذين يؤمنون بعملية السلام الإسرائيلي- الفلسطيني. لكن بما أن إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية تستعدان الآن لخوض مفاوضات جديدة بشأن الوضع النهائي، للمرة الأولى منذ سبع سنوات، فإن عليهما أن تسعيا لإبرام صفقة فورية لوقف إطلاق النار مع حركة "حماس". ويقيناً فإن اتخاذ موقف كهذا لن يكون سهلاً على تل أبيب. والسبب أن حركة "حماس" المتطرفة قد اتخذت من العنف وشن الهجمات وسيلة أساسية لعملها ضد إسرائيل. ثم إن مجرد فوز الحركة بتنافس انتخابي حر نزيه، لا يمنحها تلقائياً الشرعية التي لا تزال تفتقر إليها. فالديمقراطية كما نعلم، هي أكثر من مجرد الفوز بالانتخابات، وما انقضاض الحركة على منافسيها بذلك الأسلوب المروِّع، ووضع يدها بالقوة على قطاع غزة، سوى تأكيد على استعدادها المستمر لتحدي المبادئ الديمقراطية. بيد أن السياسة كثيراً ما تحتشد بالمتناقضات. ومن ذلك الفرصة التي أتاحها الانقلاب الذي نفذته "حماس" في قطاع غزة. ففي مقابل سقوط القطاع في قبضة متشددي الحركة، رجحت كفة ميزان البنك الدولي بالقوى الفلسطينية المعتدلة، التي سرعان ما بادرت إلى فرز نفسها عن حركة "حماس"، وشرعت في وضع معاييرها السياسية الواقعية الخاصة. ولهذا السبب فإن في وسع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس "أبو مازن"، أن يكون ذلك الشريك الفلسطيني الذي طالما ألح إيهود أولمرت على شدة حاجته إليه. وعلى رغم أن معطيات الواقع العملي هي التي فرضت على هذين الزعيمين -الإسرائيلي والفلسطيني- العكوف معاً على عملية سلام جادة فيما بينهما، فإن المعطيات نفسها تضع أمامهما جملة من التحديات الكبيرة غير المسبوقة. ذلك أن سيطرة الحركة على قطاع غزة، توفر لها مساحة سياسية جغرافية استراتيجية تمكنها من عرقلة، بل تخريب، أي عملية سلمية ممكنة. فها هي تسمح سلفاً بإطلاق صواريخ "القسام" على الأهداف المدنية الإسرائيلية المجاورة، إلى جانب التهديد بشن هجمات انتحارية داخل إسرائيل. وفيما لو تواصل استبعادها وتهميشها في هذه العملية السلمية، فليس مستبعداً أن تخرِّب لقاء أنابوليس المرتقب، وتعصف بالآمال والوعود التي يبشر بها، وذلك عن طريق تصعيدها لعمليات العنف إلى حد يجد فيه طرفا المفاوضات صعوبة كبيرة حتى في مجرد عقد اللقاء نفسه، ناهيك عن التفاوض حول أي قضايا مصيرية. وبعبارة أخرى، فقد قصدت القول إنه طالما أبدت كل من إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية استعداداً جدياً للجلوس والتفاوض مع بعضهما بعضاً، حول قضايا بكل هذه الأهمية والمصيرية، فإنه من الصعب جداً تجاهل حركة "حماس" وعزلها عن هذه المفاوضات. ومن المؤسف أن تحالفاً عريضاً قد تشكل سلفاً بين أولئك الذين لا يعتقدون بإمكانية عزل "حماس" فحسب، بل بضرورة هذا العزل. ويضم هذا التحالف أغلبية من الدول التي تدعم سياسات مقاطعة قطاع غزة، مخافة أن تتسرب نيران التطرف الإسلامي إلى أراضيها هي، فيما لو حققت الحركة نجاحاً في إدارتها للقطاع بمناهج وأساليب العنف التي تتبناها. كما يضم التحالف نفسه كلاً من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والقيادة الفلسطينية في رام الله، خاصة وأن هذه الأخيرة قد عقدت العزم فيما يبدو على حمل "حماس" على الاعتراف بالفشل، وإعادة تسليم مقاليد السلطة التي انتزعتها عنوة وقسراً في القطاع. وفي ظل وجود تحالف بكل هذه السعة والنفوذ، فإنه يصعب جداً على تل أبيب أن تدعو إلى مشاركة "حماس" في مفاوضات السلام هذه، دعْ عنك دعوتها لوقف إطلاق النار. لكن خلافاً لكافة الأطراف الأخرى، فإنه ليس في مقدور إسرائيل التظاهر بأن "حماس" لا وجود لها على أرض الواقع. وعلى عكس واشنطن وبروكسل، فإن "حماس" هي جارتنا هنا وعلى مرمى حجر منا، وبكل ما تمثله من خطر على مواطنينا وعلى أمن بلادنا. وعلينا نحن – وليس واشنطن أو بروكسل- تقع مسؤولية حماية أمن مواطنينا، سواء المعرضون منهم لهجمات صواريخ "القسام"، أم للعمليات الانتحارية التي تشنها الحركة في قلب المواقع الاستراتيجية في تل أبيب والضفة الغربية. كما يقع على إسرائيل جزء ليس بالسهل من مسؤولية توفير سبل الحياة الإنسانية لنحو 1.4 مليون فلسطيني من سكان القطاع، طالما أن تل أبيب لا تزال تواصل احتلالها لتلك الأراضي على امتداد ما يقارب الأربعين عاماً. ومما يضاعف هذه المسؤولية الملقاة على عاتق إسرائيل إزاء سكان غزة، أنها تواصل سيطرتها على كافة المداخل المؤدية إلى القطاع، عدا واحد منها، إلى جانب سيطرتها على المداخل الجوية والبحرية للقطاع. وبالنظر إلى هذه المعطيات معاً، فإن على إسرائيل أن تلجأ إلى الخيار الوحيد المتاح أمامها الآن، ألا وهو الدخول في تفاوض مباشر مع حركة "حماس"، عبر طرف ثالث وسيط بينهما، بهدف التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النيران. ويتضمن ترتيب كهذا: الوقف المتبادل لكافة أشكال العنف، ترتيبات حدودية تسمح بحركة تصدير واستيراد البضائع من القطاع، إطلاق سراح السجناء الفلسطينيين في مقابل إطلاق سراح جلعاد شاليت (الجندي الإسرائيلي الذي تم اختطافه في يونيو من عام 2006)، إلى جانب الحصول على التزام مسبق من جانب "حماس" بعدم تخريب لقاء أنابوليس المقبل، وما يتمخض عنه من نتائج. ويقيناً فإن عملية السلام التي ننشدها في أنابوليس، ستكون أسهل بما لا يقاس، فيما لو تمكنا من تحقيق السلام الفوري هنا في أرض النزاع أولاً. يوسي بيلين عضو "الكنيست" الإسرائيلي ووزير سابق للقضاء ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"