الوفاق اللبناني... ولادة عسيرة!
كتب الزميل العزيز الدكتور خالد الدخيل مقالة بعنوان "بعد بيروت... لماذا سقط الحل في الدوحة أيضاً؟" ("الاتحاد" 21 مايو 2008، استعرض فيها عمق الأزمة اللبنانية، واستعصاءها على الحل من منطلق أن الوسطاء العرب أرادوا تحقيق شيء من الاختراق، لكن مشكلتهم أنهم يتعاملون مع مظاهر الأزمة وهم يعرفون حقيقتها ومع ذلك يفضلون خيار (الحلول الرمادية) تفادياً للانفجار. يرى الدكتور خالد أن الأزمة اللبنانية في حقيقتها ليست أزمة سوء تفاهم أو صراعاً على قرارات في البرلمان بين أكثرية ومعارضة، وليست مرتبطة بموضوع النصاب المطلوب لانتخاب رئيس الدولة، لكنها في العمق هي أكثر تعقيداً وخطورة وما يطفو على السطح ليس أكثر من عناوين لما هو أبعد، لأن الأزمة في العمق هي أزمة حكم: طبيعة الدولة والتوازنات الطائفية فيها، تحالفاتها الخارجية، هويتها، واستراتيجيتها في الداخل والخارج، توزيع السلطات والحقوق وطبيعة العلاقات مع المجتمع والطوائف والقوى السياسية التي تمثل هذه الطوائف.
ويقرر الدكتور خالد أن التجارب التاريخية للأزمات العربية وطريقة مقاربتها لم تحل أزمة حتى الآن، وأفضل ما حققته هو تأجيلها لتنفجر لاحقاً بشكل أكثر عنفاً وتدميراً، مستشهداً بأزمة الغزو العراقي للكويت سابقاً والأزمة اللبنانية حالياً.
ما ذكره الزميل الفاضل في تحليله المعمق يحمل قدراً كبيراً من الصواب، لكن أليست السياسة فن الممكن بحسب المفهوم الدارج أو القيام على الشيء بما يصلحه بحسب المفهوم التراثي العربي؟ وإذا كان العرب لا يملكون حتى الآن حلولاً جذرية للأزمات التي تسود الساحة العربية بسبب عوامل سياسية واجتماعية وثقافية عديدة تم تشخيصها من قبل المفكرين العرب وهي معروفة، فهل يقفوا مكتوفي الأيدي ولا يحاولوا معالجة الأزمات بـ"الحلول الرمادية" إذا تعذر الحل الجذري للأزمة؟
ما ذكره الزميل "حق" لكن لا سبيل إليه في ظل الأوضاع العربية المتردية حالياً، فلا أقل من مقاربة الأزمة ووضع الحلول الممكنة تفادياً لما هو أسوأ وأخطر، وهذا مما لا يعارضه الكاتب الفاضل. لكني (في هذا السياق) أود أن أضيف أن المنهج العربي في مقاربة الأزمات ومعالجتها ليس وليد الأوضاع المتردية الحاضرة فحسب وليس مظهراً من مظاهر العجز والضعف العربيين -أيضاً- بل هو جزء من إرث ثقافي ماضوي ممتد إلى حاضرنا نرى بعض تجلياته في أقوال مأثورة مثل "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم"، وكذلك فيما قرره معظم الفقهاء من شرعية إمامة "المتغلّب" إذا تمكن من فرض سيطرته وإخضاع الناس لحكمه بالقوة والبطش، ومن تبريراتهم الفقهية المسوغة للخلافة الأموية وما بعدها من نُظمٍ خلال 14 قرناً رغم أنها "مُلك عضوض" لا تشبه الخلافة (الراشدة) التي عاشت 30 سنة فقط! وهو منطق قد نتفهمه إذا أدركنا أن النخبة السياسية والفقهية ومنذ القرن الأول الهجري كانت تتنازعها قضيتان أساسيتان في المجال السياسي، هما:
1- "الشرعية"؛ أي أن يُختار الحاكم بعقد وبيعة عامة ويقوم حكمه على الشورى والعدل.
2- "وحدة الجماعة"؛ أي الأمة.
وهما القضيتان اللتان حكمتا الأفق السياسي لأكثر علماء الإسلام بعد الخلافة الراشدة، وكان الخيار المفضل لغالبية علماء السنة أولوية "وحدة الجماعة" على "الشرعية" في مقابل أقلية -الخوارج والشيعة والمعتزلة وأقلية سنية- رأت أولوية "الشرعية" على "وحدة الجماعة"، ولذلك سوّغت الخروج المسلّح على السلطة القائمة باعتبارها غير شرعية. وقد نرى بعض امتدادات هذا الخيار الأخير في الجماعات الدينية المسلّحة التي تنازع الدولة سلطتها فتشكك في شرعيتها وتتيح الخروج عليها بالقوة، هذا ما تفعله جماعة "حزب الله" في لبنان وما فعلته "حماس" في غزة و"المحاكم" في الصومال و"طالبان" في أفغانستان و"الحوثيون" في اليمن و"جيش المهدي" في العراق وأتباع "القاعدة" في الجزائر وباكستان والعراق والسعودية وغيرها.
لقد حكمت منطق الغالبية 4 أمور: النصوص التي تلزم وجوب طاعة الحاكم، وما أفرزه استشهاد الإمام الحسين والزبير وحرب الخوارج من دماء مسالة وفرقة وفتنة جعل الفقهاء يقبلون بأهون الشرّين، كذلك الخضوع لاعتبارات الواقع السياسي على القوة والتغلّب، وأخيراً: أولوية وظيفة الحكم وتحقيقه للأهداف الدينية (الجهاد، تقسيم الفيء، وإقامة الشريعة) على الأسلوب الشرعي لاختيار الحاكم، وهو ما عبر عنه "الثوريون" الجدد بشرعية "الإنجاز" التي تجبّ عدم شرعية الوصول للسلطة.
هناك موضوع آخر أود أن أناقش الزميل العزيز فيه، هو قوله عن الحوار اللبناني في الدوحة، ما نصه: "ما جرى كان حواراً سياسياً تعذر في لبنان فانتقل إلى الدوحة، ولم يكن من الصعب ملاحظة أن الانتقال مؤشر على فشل محتمل"، والأخ الزميل معذور لأنه بنى استنتاجه على المؤشرات السلبية لختام محاورات اليوم الرابع للفرقاء اللبنانيين وقد كانت محبطة، لدرجة أن كاتباً كويتياً تحدى نجاح المحاورين في الوصول إلى أي حل مقرراً أنه سيحلق نصف شاربه إذا نجحوا.
ولو تأنّى الأخوان الفاضلان وانتظرا الختام -لأن الأعمال بخواتيمها- لتبيّنا أن "اتفاق الدوحة" كان ناجحاً ومثمراً، وتكفي تلك الفرحة التي عمت الشعب اللبناني والخيام التي أزيلت من وسط بيروت والمربعات الأمنية التي فتحت والشوارع التي أصبحت سالكة، علاوة على الإشادات الواسعة من مختلف الأوساط العربية والدولية. لا يمكن التقليل من هذا الإنجاز الذي وصف بأنه "تاريخي" أو بحسب تعبير نبيه بري "اجتراح للمعجزة".
ليس من العدل أن نحكم على ما أنتجته جهود اللجنة الوزارية العربية من "حل" توفيقي ارتضاه زعماء لبنان بعد 5 أيام من المحادثات المضنية بـ"السقوط"، لقد وصف أمير دولة قطر تلك الجهود بـ"الخلاّقة" وامتدح عمل اللجنة لأنها "تحملت بعناء مهمة صعبة وعسيرة إلى درجة الاستعصاء". ويجب أن نستحضر -هنا- دور أمير قطر شخصياً الفاعل والمؤثر في إنقاذ الحوار بعد أن وصل إلى نقطة الصفر، كما لا يمكن التهوين من جهد رئيس وزراء قطر المثابر والطاقم الدبلوماسي القطري الذكي الذي استثمر علاقات قطر المتميزة بالأطراف الإقليمية المختلفة لدفع المتحاورين نحو تسوية مقبولة للجميع... لولا تلك الجهود الحثيثة ما تمت ولادة "اتفاق الدوحة" من مخاضها العسير!
ومهما كانت الآراء في هذا الاتفاق فإنه إنجاز عربي يحسب لصالح العمل العربي المشترك، ولا أبالغ إذا قلت إنه لأول مرة في تاريخ العمل العربي المشترك يتفق العرب وينجزوا حلاً لأزمة سياسية خانقة امتدت 81 شهراً ذاق فيها اللبنانيون صنوف المعاناة والمرارات، لذلك كانت فرحتهم العارمة وهي بشرى زفتها قطر للعرب وللعالم أجمع تستحق الإشادة والترحيب من الجميع.
وفضلاً عن اتفاق الفرقاء على انتخاب الرئيس وتوزيع المقاعد الوزارية في حكومة وحدة وطنية، وفق 16 للأغلبية و11 للمعارضة و3 للرئيس، واعتماد قانون الانتخابات على أساس القضاء دائرة انتخابية (قانون 1960)، فهناك مكسب سياسي مهم هو "التعهد بالامتناع عن استخدام السلاح بهدف تحقيق مكاسب سياسية والاتفاق على ضرورة البعد عن منهج التخوين أو التحريض السياسي أو المذهبي، وتعزيز سلطات الدولة على كافة أراضيها واحترام سيادتها". تحية لزعماء لبنان وتحية للدور القطري الفعال وتحية لجهد اللجنة الوزارية العربية وتحية للعرب جميعاً.