قرصنة أم "فرصنة"؟
ربما يبدو عنوان هذه المقالة غريباً بعض الشيء، فالقرصنة معروفة وهي على كل لسان هذه الأيام ويتم ترديدها مئات المرات يومياً من خلال وسائل الإعلام المختلفة، والفرق أن القراصنة الجدد لا يضعون غطاء أسود على إحدى العينين كما رأيناهم في الأفلام الأميركية القديمة، وإنما يرتدي قراصنة القرن الحادي والعشرين الملابس الصومالية التقليدية ويحملون رشاشات كلاشينكوف.
أما "الفرصنة"، فهي تفهم بمعنيين، الأول هو الفرص أو القرص وتستخدم للتنبيه، والثاني يتعلق بمفهوم ربما يكون انتهازياً أو ابتزازياً، أي استغلال الفرص المتاحة لتحقيق مكاسب معينة بطرق غير أخلاقية، ولا نعرف على وجه التحديد أياً من المعنيين ينطبق على القراصنة الجدد في القرن الأفريقي.
والمهم أن هذه الظاهرة الجديدة بدأت تؤثر على أهم صادراتنا وهو النفط، كما أنها ربما تساهم في عرقلة التجارة الخارجية لدولنا وترفع من قيمة وارداتنا بعد أن قررت بعض الشركات تجنب المرور بقناة السويس والاتجاه إلى رأس الرجاء الصالح، مما يعني زيادة كبيرة في تكاليف النقل وزيادة انبعاث الغازات الملوثة للبيئة.
ومن الواضح أن مجموعة من البسطاء الصوماليين لا يستطيعون وحدهم قيادة هذه الحملة التي تدور حولها علامات استفهام كثيرة، وخصوصاً أنهم لا يملكون الوسائل التقنية ووسائل المواصلات والاتصالات التي تؤهلهم لرصد البواخر والسفن الحربية المتمركزة بكثرة في المنطقة، فناقلة النفط السعودية التي تحمل مليونيْ برميل وتقدر قيمة شحنتها بـ200 مليون دولار اختطفت على بعد 850 كيلومتراً من الصومال ومقابل دولة أخرى هي كينيا.
كيف تمكن القراصنة من رصد هذه الناقلة على هذا البعد، وكيف تمكنوا من الوصول إليها، علماً بأنهم يستخدمون زوارق لا تؤهلها حمولتها من الوقود لقطع هذه المسافة في الاتجاهين؟ هل هناك مساعدة لوجستية قدمت من جهة ما؟ إثيوبيا تتهم أرتيريا بحكم العداء التاريخي بينهما، أما قائد حلف "الناتو" في المنطقة فقد صرح قائلًا إن هذا الأمر لا يعنينا، مضيفاً نحن مكلفون بحراسة سفن الصيد التابعة للبلدان الأعضاء في الحلف فقط. فمَن المعني إذن؟ هل هي البلدان العربية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن؟ أم البلدان المصدرة للنفط؟ أم أنها محاولات للحصول على السيولة النقدية التي تعتبر عملة نادرة في الوقت الحاضر، فـ"القراصنة" حصلوا حتى الآن على 150 مليون دولار، وهو مبلغ كبير، وإذا ما استمرت "الفرصنة" فربما يتضاعف هذا المبلغ ليصل إلى مليارات الدولارات. ولو أن هذه المبالغ بقيت في الصومال لتحول إلى دولة غنية بدلًا من الفقر والمجاعة اللذين يعاني منهما الآن، ولربما انتهت الحرب الأهلية هناك، فالقراصنة يستطيعون بقوة المال والنفوذ إحكام سيطرتهم على الأوضاع، إذ كيف لا يمكنهم ذلك وهم سادة البحار والمحيطات، حيث إن أساطيل العالم المتقدم وبوارجه الحربية وحاملات طائراته وأقماره الاصطناعية التي ترصد كل دابة تتحرك على وجه الأرض وقفت عاجزة أمام قراصنة العصر الحفاة والعابرين عباب البحار بزوارق متهالكة، يعانون فيها من سوء التغذية!
عندما فرضت العقوبات الاقتصادية على العراق بعد غزوه المدمر للكويت حوصر الخليج بأكمله ولم تتمكن أية باخرة محملة بالنفط العراقي من اجتياز المسافة من شمال الخليج إلى جنوبه، بل إن شحنات النفط المموهة التي استخدم مختلف أساليب التحايل في إخفائها تم اكتشافها ومصادرتها، ولم يتمكن العراق من الإفلات من الحصار والمراقبة الصارمة اللذين فرضا عليه. فأيهما أسهل محاصرة العراق كدولة غنية أم قراصنة حفاة ويعانون من سوء التغذية؟ لقد تمكنت بعض البلدان المحايدة التي تعنيها الملاحة في المحيط الهندي وبحر العرب، كالهند، من اعتقال عدد من القراصنة وبسهولة، كما أن هذه البلدان ترى وجود إمكانيات حقيقية لمحاصرة هذه الظاهرة والقضاء عليها من خلال تعاون كافة الأطراف وفرض رقابة على السواحل الصومالية بحيث يتم رصد حركة الموانئ بالكامل، إلا أن هذه المقترحات لم تجد صدى لدى "الفراصنة" الباحثين عن السيولة.
ومن الواضح أن هناك لعبة خطيرة تدور أحداثها في القرن الأفريقي وستترتب عليها عواقب وخيمة، فمصر التي تعاني من صعوبات اقتصادية وأزمة خبز ستؤدي هذه الأحداث إلى انخفاض دخلها من قناة السويس الذي يعتبر مصدراً أساسياً للعملات الصعبة لا يقل أهمية عن صادراتها من الغاز، وبالتالي حدوث المزيد من التدهور في أوضاعها الاقتصادية، حيث ينطبق ذلك على اليمن والأردن وجيبوتي.
أما احتجاز المزيد من ناقلات النفط، فسيؤدي إلى انعكاسات خطيرة على إمدادات النفط، وبالتالي على الاقتصاد العالمي ككل، وإلى حدوث المزيد من الارتفاع في أسعار السلع في بلدان المنطقة التي يعاني أغلبها من تبعات الأزمة المالية التي تعصف بالعالم حالياً.