الطاووس الإيراني وناقوس الردع
اجتماع نيويورك ليس الأول ولا الأخير الذي يطرح الملف الإيراني وأمن الخليج واستقرار الشرق الأوسط، فهذا الاجتماع ضم لأول مرة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا مع الدول الخليجية كما ضم مصر والأردن بينما غابت عنه عُمان وقطر، واستثنى الاجتماع إيران التي يدور حولها فلك الاجتماع.
وتجدر الإشارة إلى تصريح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قبل انعقاد الاجتماع الذي عبر فيه عن أن الدول العربية باتت معنية بمصالحها حول هذه القضية، أي أنه لا وجود للحياد في الشؤون الأمنية التي تدور في وقائع وأحداث اليوم وسوف ترسم نتائج وصورة الغد وآفاق المستقبل. وإذا كان التصريح الروسي يؤكد في جانب آخر عدم وجود نية لفرض عقوبات جديدة على إيران، وأن الدول الست (دول مجلس الأمن الخمس دائمة العضوية وألمانيا) قد اتفقت في الأصل على بذل كل ما في وسعها لدعم عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الملف النووي، وكان هذا التصريح معاكساً لتصريح وزير خارجية بريطانيا "ديفيد ماليباند" الذي يرى في برنامج إيران النووي خطراً على منطقة الشرق الأوسط.
مما لاشك فيه أن أعضاء مجلس الأمن الدائمين وجدوا أنفسهم في صراع بشأن الطموح الروسي في عودة نفوذها والحصول على مكاسب سياسية واقتصادية، وأن موسكو حققت الكثير في حضورها على المستوى الدولي والإقليمي الروسي وفي الشرق الأوسط خصوصاً. ويبدو أن روسيا وواشنطن تمسكان بأهم أوراق لعبة الصراع في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، وربما ترى موسكو أن الحزب "الديمقراطي" الأميركي القادم للرئاسة سيجلس ليرتب الأوراق في الشرق الأوسط، وهو ما يعني الكثير في الشأن الدولي والعالمي.
ومن باب المشروع هناك محاولة لتقوية قرار لمجلس محافظي وكالة الطاقة الذرية، يرمي إلى جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، ولكن الواقع الأكثر مصداقية هو أن الدول الست "دول مجلس الأمن دائمة العضوية وألمانيا" لن تقبل منح أي دور إقليمي لإيران في المنطقة على حساب أمن الدول الأخرى، وأن مساعي هذه الدول ومحفزاتها تنصبُّ على تحويل السلوك الإيراني إلى سلوك مقبول إقليمياً ودولياً.
وإذا كان هذا أهم ما يميز المعادلة في الدول الست، فإن الدول التسع أيضاً لها شأن مختلف ومتفاوت، فأول ما نسلم به أن الدول الخليجية، دول مجلس التعاون إضافة إلى العراق، هي الجهة المعنية الأولى بهذا الملف، ولكن حلقة العراق ووضعه اليوم يجعله الحلقة الأضعف أمام الملف الإيراني رغم الاتفاق الأمني مع واشنطن.
وفي مصر والأردن نلاحظ أن لمصر -تاريخياً- دورها الإقليمي الطبيعي في الشرق الأوسط، وربما أقرب تلك الصفحات التاريخية هي العلاقات المصرية- الخليجية بعد نكسة 1967 ودور النفط الخليجي في حرب أكتوبر1973، ودور مصر في حرب الخليج الثانية 1991. وإذا سلمنا بأن مخاطر الأصولية الإسلامية داخل مصر وفي جوارها والعلاقات العربية -المصرية لها من الخاصية والتأثير في التقارب والأهداف ما هو أهم من خاصية العلاقة مع إيران، فإن الدور المصري معني بصورة كبيرة. أما الأردن فإنه ينظر بعين الريبة إلى النفوذ الإيراني وامتداد التيار الإسلامي فيه عبر نفوذ "حماس" في الأردن، وهذا محفز كبيرعلى دخول هذا المحور.
قد لا يحمل اجتماع نيويورك دلالات قوية في الملف الإيراني النووي ونفوذ طهران العقائدي وطموحها السياسي التوسعي سوى الحديث عن تحييد إيران وعدم إعطائها دوراً على حساب دول المنطقة واستكمال اللقاء مع نفس الدول وفتح الباب لدول أخرى راغبة في الدخول. ولكن الحقيقة التي لا تقبل التشكيك، هي أن أمن الخليج، وبصورة أكبر أمن الشرق الأوسط ككل، بين أيدي الدول الست، كما أن لواشنطن وموسكو الدور الأهم. وعند التساؤل لماذا واشنطن والعالم الغربي وبعض الدول العربية في خلاف مع إيران؟ فإن قصير النظر يعيد ذلك إلى أمن إسرائيل ومصالح الغرب في الطاقة والأسواق وتقاطعها مع مصالح بعض الدول العربية، ولكن إذا حدَّقنا في الأمر الذي لا يستحق الكثير من التحديق، لوجدنا أن دول الخليج ليست بها دولة تلوِّح بالقوة العسكرية والأيديولوجيا المضادة لإيران، فبعد تدمير القوة العراقية وتآكل الأيديولوجيا "البعثية" لم يخرج فاعل إقليمي خليجي كدولة أو دول مجتمعة ليتحمل دور الرادع لإيران، وأصبح الخليج يُبرز بوضوح القوة الإيرانية والعقيدة الشيعية وما تستطيعه هذه العقيدة من استغلال النفوذ من أموال وجماعات. والحقيقة أن دور الأيديولوجيا والعقيدة أهم من القوة العسكرية المتوفرة في دول الخليج بصور متفاوتة.
أخيراً قد يكون الغرض من الاجتماع طمأنة الدول العربية بأن الدول الست تنوي العمل بجدية للحد من طموحات إيران النووية والسياسية، فالطاووس الإيراني بالغ في عرض ريشه الجميل من نفط وغاز ونفوذ عقائدي وموقع استراتيجي وأهداف شيعية فارسية الهوى وخطابات وتهديد بقوة طيرانه. ولعل أهم ما فعله هذا الطاووس هو أنه مثَّل حلقة مهمة في إبراز أهمية الدب الروسي في أمن الخليج والشرق الأوسط، ويا ليت الناقوس يدق لهذا الطاووس، لكي يدرك حقيقة ما يسلُك وحَجم قوته وهو يستعرض ويتباهى بريشه الجميل، وليدرك بأنه خسر مصداقيته في منطقته، وأنه سوف يمثل محوراً ونموذجاً كما كوريا الشمالية لتَلاقي مصالح الدول الكبرى بإيجاد وضع قانوني بقوة سياسية دولية رادعة ومحيدة لانتشار الأسلحة النووية وتراقب بصرامة الاستخدامات النووية السلمية.
ولكن ما زال الطاووس يتجمل بأن برنامجه النووي لا يتجاوز الأغراض السلمية، وأن مصدر قلق شعوب منطقة الخليج هو تدخل الولايات المتحدة في المنطقة، وكالعادة نفش الطاووس ريشه مرة أخرى بالحديث عن إسرائيل وعن دوره في أمن المنطقة.