بوش والبابا... خلفيات الجفوة
كان الرئيس الأميركي السابق جورج بوش يقول إنه حصل من الله على ضوء أخضر لشنّ الحرب على العراق، ويبدو أن البابا الراحل يوحنا بولس الثاني سمع هذا التصريح، فقرّر على الفور اتخاذ مبادرة عكسية، فأوفد إلى واشنطن الكاردينال "بيو لاغي" المعروف بعلاقاته الشخصية الحميمة مع عائلة بوش وكلّفه بمهمة مؤداها:
أولاً: إن الله سبحانه وتعالى لا يكلم أحداً من الناس، حتى ولو كان رئيساً للولايات المتحدة. ثانياً: إن الله لا يعطي ضوءاً أخضر لشنّ حرب على أي شعب.
ثالثاً: إن الله يأمر بالمحبة، ويبارك صانعي السلام.
كانت مهمة الكاردينال أن يستخدم علاقاته مع عائلة بوش متسلّحاً بتفويض الكرسي الرسولي وتوجيهاته الدينية لحثّ بوش وإدارته على عدم شنّ الحرب على العراق. كان ذلك في عام 2003. ولكن وهو على رأس إدارة من "المحافظين الجدد" رفض الأخذ برأي البابا. فكانت الحرب على العراق التي ذهب ضحيتها حوالي مليون عراقي وأكثر من أربعة آلاف جندي أميركي. وقد ذهب بوش في توظيف ما تصوّره أنه تفويض إلهي بعيداً جداً، وذلك عندما وصف الحرب على العراق بأنها "حملة صليبية" جديدة.
لم يسكت البابا يوحنا بولس الثاني أمام هذا الوصف الذي يعكس استغلالاً سيئاً للدين. فبادر إلى الاعلان بنفسه "أن هذه الحرب غير مبرَّرة وغير أخلاقية وغير دينية".
والذين استمعوا في العالم إلى البابا الراحل يعلن هذا الموقف الواضح والجريء فوجئوا ليس فقط بمضمون كلامه، ولكنهم فوجئوا أيضاً بصدوره عنه شخصياً وبشكل مباشر.
غير أن بوش وأركان إدارته لم يفاجأوا بهذا الموقف. فقد استمعوا إلى المبعوث البابوي الكاردينال "بيو لاغي" طويلاً وهو يشرح لهم الثوابت الدينية والأخلاقية التي يقوم عليها موقف البابا يوحنا بولس الثاني في معارضة مبدأ الحرب، ودعوته الملحّة إلى معالجة القضايا الخلافية عبر الأمم المتحدة وبوسائل سياسية. ولكن إدارة بوش كانت قد اتخذت قرار الحرب، ثم عملت فيما بعد على فبركة الأسباب الموجبة لها كما تبين ذلك من اعترافات بوش نفسه.
وكانت الحرب الأميركية على العراق في أوج لهيبها عندما خرجت المظاهرة المليونية في روما -عاصمة الكثلكة- ضد هذه الحرب. ثم تبعتها سلسلة متواصلة من المظاهرات في العديد من الدول الأوروبية، وفي أستراليا وكندا، وبالذات في الولايات المتحدة نفسها.
وما كان لهذه الملايين من البشر أن تخرج إلى الشوارع والساحات العامة رافعة الأصوات والشعارات ضد الحرب لو كانت تعتقد أنها حرب دينية أو أنها تتم بضوء أخضر من الله كما زعم بوش. لقد خرجت هذه الملايين ضد الحرب لأنها سمعت كلام البابا يوحنا بولس الثاني يقول إنها ليست مبرَّرة وليست أخلاقية وليست دينية.
إن ترجمة مقولة البابا تعني أن الحرب كانت مفتعلة وأنها حرب بالاختيار ولم تكن مفروضة على الولايات المتحدة. وهي تعني أنها عمل إرهابي غير أخلاقي لأنها لم تكن رداً على استفزاز ولا حتى على موقف. ولم تكن دفاعاً عن مصالح معرّضة للخطر.
ثم إن القول إنها ليست دينية يعني أنها ضد الدين الذي شُنّت باسمه ظلماً وافتراء.
ما كان للبابا الراحل أن يقول كل هذا الكلام لو أنه لم يحاول أن يثني بوش عن نيّته في شنّ الحرب. ومن أجل ذلك أوفد إليه الكاردينال "بيو لاغي". ولكن عندما رفض بوش الاستماع إلى نصيحة رأس الكنيسة الكاثوليكية (رفض كذلك الاستماع إلى الكنيسة الإنجيلية التي كان ينتمي إليها، والتي رفضت كذلك الحرب على العراق) كان لابد من إسماعه حكم رأس الكنيسة.
لا ندري إذا كان الكاردينال لاغي كتب مذكراته عن تلك المهمة التاريخية. لقد توفي في الأسبوع الماضي عن عمر يناهز الخامسة والثمانين. إلا أنه حتى لو كتب مذكراته فليس من عادة الفاتيكان نشرها.
أياً يكن من أمر فلابد أن يكون الكاردينال قد رفع إلى البابا تقريراً رسمياً بنتائج مهمته. ولابد أن يكون هذا التقرير محفوظاً في أرشيف الفاتيكان. ذلك أن مهمته إلى بوش كانت مهمة رسمية (من دولة إلى دولة).
في الأساس اتهم بوش صدام بأنه كان على علاقة مع تنظيم "القاعدة" الذي ارتكب جريمة 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن. ومن شأن هذا الربط الإيحاء بأن عراق صدام شريك في الجريمة، وبالتالي يستحق شنّ الحرب عليه.
إلا أن الفاتيكان كان يعرف كغيره من دول العالم الأخرى أن صدام لم يكن على علاقة بـ"القاعدة"، بل كان معادياً للحركات الإسلامية المتطرفة داخل العراق وخارجه. وأكثر من ذلك، كان البابا الراحل حريصاً على رفض ربط العملية الإرهابية بالإسلام خلافاً لما روّجت له الإدارة الأميركية.
فبعيد جريمة 11 سبتمبر وانطلاق حملة معاداة الإسلام في الولايات المتحدة، اتخذ البابا يوحنا بولس الثاني مبادرة شجاعة بالاتجاه المعاكس. فقد رعى مؤتمراً إسلامياً- مسيحياً على مستوى عال عُقد في الفاتيكان صدر عنه بيان مشترك يسقط تهمة الإرهاب عن أي دين. ويجرّد الإرهابيين من حق مصادرة أي دين والتحدث باسمه. وقد اشترك في هذا المؤتمر عن الجانب الإسلامي الأزهر الشريف في مصر ممثلاً بالإمام نفسه الشيخ محمد سيد طنطاوي. واشترك فيه عن الجانب الفاتيكاني الكاردينال "بيو لاغي" والكاردينال فرنسيس إلى جانب عدد آخر من الشخصيات الدينية في الفاتيكان.
وبقدر ما كانت علاقات البابا يوحنا بولس الثاني وطيدة بريجان، كانت علاقاته سيئة ببوش الابن. فقد تعاون مع ريجان لدعم الحركة النقابية في بولندا حتى سقط الحكم الشيوعي. وهو السقوط الذي أدى إلى انهيار الاتحاد السوفييتي السابق. كان للبابا وريجان عدو مشترك هو الشيوعية. أما مع بوش فإن البابا الراحل لم يشاركه العداء للإسلام، فكان فراق ما بينهما.
ومن هنا السؤال: لو أن مهمة الكاردينال "بيو لاغي" في عام 2003 قد نجحت، ولم تشنّ الولايات المتحدة الحرب على العراق، كيف كانت صورة الشرق الأوسط اليوم؟ وكيف كانت صورة العلاقات الأميركية مع العالم الإسلامي؟