"المصادر المستقبلية للطاقة في الخليج العربي... هيدروكربونية أم نووية أم متجددة؟"، تساؤل حمله غلاف الكتاب الذي نعرضه هنا، وهو صادر بنفس العنوان، وقد ضم أوراقاً ثمينة ناقشها المؤتمر السنوي الثالث عشر لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، لخبراء بارزين في مجال الطاقة من مختلف الحقول الأكاديمية والمهنية والفنية، ناقشوا فيها جملة من الأفكار والرؤى حول الهيكل المستقبلي لقطاع الطاقة في منطقة الخليج، والتحديات التي تواجهها الدول الخليجية في مجال تلبية احتياجاتها المتعاظمة للطاقة. لقد باتت كيفية الوفاء بالطلب العالمي المستقبلي على الطاقة مصدر قلق متنامٍ بالنسبة للحكومات والشعوب والشركات. وكانت أسعار النفط المرتفعة في سبعينيات القرن العشرين قد أرغمت الدول الصناعية الرئيسية المستهلكة على تخفيض استخدامها للطاقة، لكنها تغلبت على العوائق السياسية أمام عملية الإمدادات، واستمر الاستهلاك في الزيادة. ويناقش هذا الكتاب سبل الوفاء بمثل هذه الزيادة في الطلب، كما هو متوقع في دول مجلس التعاون الخليجي، بأكثر الطرق فعالية واستدامة خلال العقود القادمة. يبدأ الكتاب بثلاث كلمات رئيسية، تعقبها ثلاثة أقسام تضم عشرة فصول كل منها يمثل دراسة بذاته حول موضوع من موضوعات الطاقة ومصادرها ومشكلاتها. وكما يقول ناجي أبي عاد في فصل عنوانه "الغاز الطبيعي في مجلس التعاون الخليجي: الوضع الراهن واحتمالات المستقبل"، فإن معظم إنتاج دول التعاون الخليجي من الكهرباء يتم بواسطة الغاز، لكن استخدام الهيدروكربونات لا يمكن أن يستمر بلا نهاية. وفي فصل آخر يتناول الطلب المتنامي على الطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي، يقول بكر بن حمزة خشيم إن الطلب على الكهرباء في هذه الدول سوف يصل إلى 292 ميجاواط بحلول عام 2028، مشيراً في هذا الصدد إلى عدد من الإجراءات التي يمكن تبنيها للوفاء بالطلب المتزايد، بما في ذلك المحافظة على الطاقة، وبرامج إدارة جانب الطلب، ووضع التعريفات، وتكامل شبكات الكهرباء، ومزيد من الاستثمار في الطاقات البديلة، وتبني مشاريع المنفعة المتكاملة. وحول فوائد ومخاطر الطاقة النووية كبديل في توليد الطاقة، يذكر لويس إتشافاري أن الحالة الراهنة للطلب على الطاقة وعرضها توفر فرصاً لتطوير الطاقة النووية لكي تكمل أنواع الوقود الأحفوري والمصادر المتجددة للطاقة. وهذا ما سيسمح بمزيد من الاستخدام الاقتصادي للهيدروكربونات. ورغم أن متطلبات تطوير السعات النووية الداخلية ربما تطرح تحدياً في الدول النامية، فإن تنفيذ برامج الطاقة النووية، كما يوضح الباحث، سوف يوفر في نهاية الأمر فرصاً لتطوير سعات داخلية في حقل التقنية المتقدمة. أما نايف العبادي فيسلط الضوء على قطاع الطاقة في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مشيراً إلى ارتفاع كبير في الاستخدام المحلي للنفط والغاز، وبمستوى عال من الطلب على الحمل الكهربائي، واستهلاك مرتفع للفرد من الكهرباء. وحتى تتم المحافظة على مصادر الطاقة الناضبة، وحماية البيئة، وزيادة نصيب الدول الخليجية من صادرات النفط... ينادي الباحث بسياسات فاعلة للطاقة، وبابتداع وتنفيذ استراتيجيات لدعم المحافظة على الطاقة، وتحسين الاستفادة منها، وتبادل المعلومات بشأن كفاءة الطاقة، وتشجيع خدمات الطاقة، واستثمارات القطاع الخاص، والاستفادة من التقنيات الفعالة، وتعزيز وتشجيع الوعي بكفاءة الطاقة عبر الحملات وورش العمل. ويلاحظ صالح المانع وجود نزعة واضحة اليوم لدى دول مجلس التعاون نحو تبني خيار نووي سلمي كمصدر لإنتاج الطاقة وتحلية المياه. ذلك أن إنتاج الطاقة النووية أرخص من الطاقة الكهربائية التي يولدها الديزل أو الغاز الطبيعي، وأن تكلفة إنتاج متر مكعب من المياه المحلاة في محطة نووية تبلغ نحو ربع التكلفة اللازمة لإنتاج المياه المحلاة في محطات التحلية بالتقطير أو محطات التحلية بالتقطير الوميضي متعدد المراحل. وإلى ذلك يمثل الإشعاع الشمسي، كما يبين فرانز تريب، مصدراً غنياً للطاقة في المنطقة، إذ يمكن بكيلومتر مربع من الصحراء إنتاج نحو 250 جيجاواط ساعي من الكهرباء سنوياً. وكذلك، توفر الطاقة الفولطية الضوئية، والرياح، والطاقة الجيوحرارية من الصخور الجافة والساخنة في الأعماق، والكتل الحيوية من النفايات البلدية والزراعية... إمكانيات كبيرة لتوليد الطاقة. ووفقاً لتريب، فإن دول مجلس التعاون ستظل مصدرة للطاقة، ولكن بدلا من الاعتماد على مصادر الوقود الأحفوري المحدودة، سوف تقوم صادراتها على الطاقة الشمسية. وفي تحليل شامل لإمكانيات الطاقة الشمسية والرياح في مجلس التعاون، يحث وهيب الناصر وناصر الناصر دول المجلس على الاستفادة من آلية التنمية النظيفة، وتجارة الكربون، وشهادات خفض الانبعاث. ويقولان إنه يمكن توفير النفط والغاز الخليجيين لاستخدامهما أيضاً في صناعة البتروكيماويات وباقي التطبيقات الأخرى. كذلك يحث إبراهيم دنجر، في فصله الذي يركز على الطاقة المتجددة في المواصلات، على التحول من اقتصاد الوقود الأحفوري إلى احتضان مصادر الطاقة المتجددة. وهكذا يتضح مدى حاجة دول الخليج العربية إلى استراتيجية شاملة لوضع أولويات استخدام الطاقة وخفض الاستهلاك، وإلى دراسة احتمالات تنفيذ حلول تأخذ بالطاقات المتجددة المتاحة، مثل المصادر الشمسية والرياح، عبر جهود مشتركة ومنظمة تتطلع إلى الانتفاع الخلاق بالمصادر المستقبلية للطاقة. محمد ولد المنى الكتاب: المصادر المستقبلية للطاقة في الخليج العربي... هيدروكربونية أم نووية أم متجددة؟ المؤلفون: جماعة الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2009