إصلاح بيئة العمل في القطاع الخاص من الضرورات القصوى لجذب القوى العاملة المواطنة إليه، بغير ذلك فإن التسرب منه حتى مع وجود قرارات التدخل من قبل الحكومة سيكون مشكلة أخرى ستواجه عملية التوطين في هذا القطاع والذي يستدعي تدخلا من نوع آخر يمس سياسات التوظيف لدى مؤسسات هذا القطاع الذي يعاني من الحساسية الزائدة تجاه السماح بدخول أي عنصر مواطن إليه ولو كان بدرجة مستخدم، فكيف لو قامت الحكومة بإلزام الشركات والمؤسسات الخاصة بتعيين مدراء مواطنين في إدارات الموارد البشرية وذلك من باب الحفاظ على العاملين المواطنين وضخ دماء وطنية إلى أروقتها الإدارية والميدانية.
وفي ذلك نعود إلى الجهة الرسمية المنوطة بقضايا التوطين ألا وهي هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية، حيث أصدرت في الآونة الأخيرة دراسة ميدانية حديثة ترفع من خلالها أصوات العاملين المواطنين في بعض القطاعات الخاصة إلى من يعنيه أمرهم فهم خير من يتحدثون عن أوضاعهم الداخلية أثناء الاحتكاك اليومي بمجريات العمل في القطاع الخاص.
ولن نلجأ هنا إلى إيراد الإحصاءات والجداول الخاصة بهذه الدراسة الواقعية القيمة وإنما نذهب مباشرة إلى استنطاق نصوص الأحاديث التي دارت من خلال المقابلات الشخصية لكل مواطن عامل في القطاع الخاص على حدة مع العلم بأن 75% من هؤلاء المتحدثين بأصواتهم العالية من الإناث وهو ما يجعل التحدي في توظيفهم أكبر من الرجال بمعدل ثلاثة أضعاف.
وسنجمع ملخص أحاديثهن في هذا الإطار على هذا النحو "ما الذي يجعلك تستمرين بالعمل هنا؟ كلما طالبنا بزيادات يقال لنا: اذهبي لزوجك أو اذهبي لحكومتك...، إن حكومتكن لا تمنحكن هذا الحق، إنهم يتحينون الوقت الذي نقدم فيه استقالاتنا... الرواتب متدنية ومع ذلك نعمل لساعات أطول، لا يسندون إلينا واجبات تثير روح التحدي ويبعون لنا الأوهام، في النهاية لا تعليم ولا ترقيات ولا شيء، ولا يجدون سوى كلمات مثل : ما أروعكن يا بنات، إن الإدارة تعاملنا باستخفاف وتبدو وكأنها فوجئت بقدومنا للعمل هنا. يخشى بعضهم أن نحل في مكانهم فيمتنعون عن مساعدتنا. إن الإدارة لا تريد منا السعي لتنمية قدراتنا... ولا نجني منها سوى وعود جوفاء، إنهم لا يثقون بنا ويرون أننا غير جديرين ويعتقدون أننا أقل إنتاجا من سوانا، نحن لا نملك حقوقا متساوية ولا نشعر بأننا أسرة واحدة، طول ساعات العمل لن يناسبني إذا صرت أما، زوجي لن يسمح لي بالعمل حتى ساعات متأخرة، إننا نبقى هنا أكثر من بقائنا بالمنزل".
هذه الأصوات النسائية العالية تعبر عن معاناة المواطنات وكذلك المواطنين في هذا القطاع الذي عليه تبعة وواجب احتواء الموارد البشرية الوطنية وإعادة صياغتها بحيث يخدم الإنتاجية التي تصب في صالح الاقتصاد الوطني وإلا فإن عوامل الطرد المركزية سوف تزداد قوة والذي سيحدث بعد تطبيق القرارات الخاصة بالتدخل الحكومي في بعض القطاعات المستهدفة كالبنوك والتأمين والتجارة العامة لاحقا أنه بمجرد توظيف تلك النسبة الضئيلة من المواطنين في تلك المؤسسات والشركات في ذات العام فلن يمر على تعيينهم سوى أشهر إلا وقد تسرب معظمهم قبل نهاية العام التالي على أكثر تقدير إذا لم يتم إجراء إصلاحات جذرية لبيئة العمل الطاردة للقوى العاملة المواطنة.


