نووي إيران وشبكة "خان"... علاقات السوق السوداء!
بينما تستعد إيران لبدء جولة جديدة من المفاوضات مع مجموعة "5 + 1" بشأن برنامجها النووي في مطلع أكتوبر القادم، وفي ظل المقترح الأخير الذي طرحته للتفاوض مع الولايات المتحدة حول جملة من القضايا... ما يزال الغرب متوجساً من الأنشطة النووية الإيرانية، وما يزال حديث الخيار العسكري متداولا في بعض الأوساط. ذلك التوجس يؤكده الكاتب الفرنسي "بورنو تيرتري" الذي نعرض كتابه الأخير بعنوان "القنبلة والسوق السوداء: تحقيق حول الانتشار النووي"، والذي يتعقب فيه المراحل التي قطعها المسار النووي الإيراني منذ بدايته كفكرة راودت "الحرس الثوري" إلى اكتشافه من قبل المجتمع الدولي واندلاع الخلاف بين طهران والغرب حول طبيعته وغاياته، ليخلص الكاتب في النهاية، وبعد الدخول في كثير من التفاصيل المحيطة ببرنامج التخصيب الإيراني، إلى أن رغبة إيران في امتلاك السلاح النووي رغبة حقيقية لا شك فيها مهما ادعت عكس ذلك.
ويحرص الكاتب منذ البداية على تجنب التكهنات بتأكيده أن ما يكشفه لا يمت بصلة إلى هوس اليمين الأميركي الذي ينظر إلى إيران على أنها الخطر المحدق بالغرب، بل هو نتيجة التحقيق الذي قام به والوثائق التي جمعتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فضلا عن المعلومات الاستخبارية التي مازالت طي الكتمان لدى الأجهزة الغربية لأسباب تبعث على الحيرة والشك في آن.
تبدأ قصة البرنامج النووي الإيراني، كما يتتبعها الكاتب، مع بداية الحرب الإيرانية العراقية، وتحديداً بعد ثلاث سنوات على اندلاع المعارك الشرسة، حيث تكبد الجيش الإيراني ذو التجهيز الضعيف والتدريب المتواضع، خسائر فادحة على أيدي القوات العراقية الأفضل تدريباً والأحكم تنظيماً، والتي لم تتردد في استخدام الأسلحة الكيماوية ليتساقط آلاف الإيرانيين في حرب بدت مكلفة للغاية. ومع أن مرشد الثورة الإيرانية، آية الله الخميني، اعتبر السلاح النووي مخالفا لمبادئ الإسلام وألغى بعد وصوله إلى السلطة عام 1979 جميع اتفاقيات التعاون الخارجي لتطوير البرنامج النووي الإيراني، فإنه وفي ظل التعثر الكبير في الحرب مع العراق والخسائر البشرية الهائلة التي تكبدتها إيران... أدرك النظام الجريح أن أفضل أسلوب لاتقاء شر نظام معاد على حدوده الغربية هي امتلاك السلاح النووي، لتبدأ إيران بذلك رحلتها الخفية لاكتساب التكنولوجيا والمواد الضرورية لصناعة قنبلتها باللجوء إلى السوق السوداء والتعاطي مع الشبكات المستعدة لبيع التقنيات والتصاميم، أو المعدات نفسها التي تدخل في تركيب أجهزة الطرد المركزي اللازمة لعملية تخصيب اليورانيوم. وأثناء البحث عن مزود أو مساعد، لم تجد إيران أفضل من جارتها باكستان للتعاون معها بعدما قطعت هذه الأخيرة أشواطاً مهمة على طريق القنبلة النووية. ويرجع الكاتب المباحثات الأولى بين البلدين إلى عام 1984، ليعقبه في العام التالي اتفاق بين إسلام أباد وطهران يفتح المجال للتعاون النووي، لكن اللقاء المهم هو الذي جمع في عام 1986 المهندس الباكستاني ومؤسس قنبلتها النووية، عبد القدير خان، والجنرال "محمد إسلامي"، حيث زار عبد القدير خان ورشة بناء المفاعل النووي في بوشهر.
بيد أن التعاون الذي بدأه المهندس الباكستاني بموافقة أركان الجيش وبتغطية منهم، سرعان ما ستعترضه الكثير من العراقيل، أهمها معارضة القيادة السياسية وتخوفها من إغضاب قوى إقليمية أخرى تخشى من التقدم الإيراني على المسار النووي، ليتزامن ذلك في إيران مع انتهاء الحرب العراقية، ثم رحيل الخميني الذي لم يكن موقفه واضحاً إزاء الأنشطة النووية لبلاده. هذه المتغيرات الداخلية الجديدة شجعت القيادة في إيران، وبخاصة بعد وصول رفسنجاني إلى الرئاسة، وهو من أشد المتحمسين للبرنامج النووي، على رصد موارد مالية كبيرة للمضي قدماً في المشروع. ساعد على ذلك انتهاء الحرب مع العراق، وتوافر إمكانات مادية مهمة. لكن المشكلة بالنسبة لإيران، يقول الكاتب، كانت في تضارب المواقف الباكستانية بين القيادة السياسية المتحفظة على التعاون النووي مع طهران ممثلة في رئيسة الوزراء بينظير بوتو وبين قيادة الجيش التي كانت تسعى إلى أمرين: أولا زيادة موازنة الجيش بالأموال التي تقدمها إيران، وثانياً تأمين النفط نظير التكنولوجيا النووية التي ستذهب إلى طهران. هذا الخلاف الداخلي في باكستان لم يحُل مع ذلك دون استمرار التعاون بين شبكة "خان" والقيادة الإيرانية، وإن كان هذا التعاون يتم أحياناً دون علم السلطات الباكستانية، لكن العلاقات توثقت أكثر مع خان بعدما تعثر المشروع النووي الإيراني في بدايته، ولم يحقق النتائج المرجوة منه؛ إذ بعد ست سنوات من الجهد لم يركب الفنيون الإيرانيون سوى جهاز طرد مركزي واحد من طراز P1، هذا ناهيك عن العراقيل الكبيرة التي واجهها الإيرانيون في تأمين قطع الغيار اللازمة لتشغيل أجهزة الطرد المركزي. غير أن التعاون السري بين شبكة خان والقيادة الإيرانية استمر لتتطور قدرات هذه الأخيرة وتكلل بامتلاكها جيلا جديداً من أجهزة الطرد المركزي من طراز P2... إلى أن كشف معارضون إيرانيون البرنامج النووي الإيراني بعرضهم لصور التقطت بالأقمار الاصطناعية خلال مؤتمر صحفي عقد في عام 2002 بنيويورك.
زهير الكساب
--------
الكتاب: القنبلة والسوق السوداء: تحقيق حول الانتشار النووي
المؤلف: بورنو تيرتري
الناشر: بوشي شاستيل
تاريخ النشر: 2009