في المقال السابق توقفت عند موضوع التجربة العربية لإنتاج السيارات، والفشل الذي منيت به لأسباب عديدة أشار إليها المختصون، مقابل تجارب ناجحة لدول آسيوية أسست صناعة وطنية وفق رؤية استراتيجية وخطط مدروسة وبرامج مرحلية كانت نتيجتها أن أصبحت تلك الدول منافساً قوياً في السوق العالمي للسيارات. وسأكتفي هنا بمثالين، أولهما اليابان، ففي بداية عهدها بالصناعة كانت تستورد الملابس القطنية البريطانية، لكن مع بداية القرن العشرين استطاعت استيعاب تكنولوجيا المنسوجات الغربية، وأصبح لها فكرها الصناعي الخاص. ومع بداية القرن العشرين أصبحت مصدراً رئيسياً للملابس القطنية. وحققت ذلك أيضاً مع باقي المجالات الصناعية وبالأخص في مجال الإلكترونيات، فأصبحت السيارة والقطار والكمبيوتر الياباني من أقوى الصناعات المنافسة عالمياً. أما كوريا الجنوبية فحين قررت إيجاد صناعة وطنية، عملت على حماية الإنتاج المحلي، ووضعت خريطة لحاجياتها الأساسية، فمثلاً عندما احتاجت إلى المواد الكهربائية قامت بتوفير حماية خاصة لهذه الصناعة ومنعت استيرادها وأوجدت عدة مصانع. وعموما فإن الدول الآسيوية أدركت أن سر نهضة الأمة يكمن في قوتها الاقتصادية، وأن القوة الاقتصادية لا تتحقق دون صناعة وطنية مستقلة. إن تطوير الصناعة الوطنية هو جوهر الاستقلال الاقتصادي، والأساس الضروري للتطور والنمو، والبديل الآمن لدعم الاقتصاد وحمايته من الأخطار المحتملة. صحيح أن هناك تجارب ومشاريع صناعية عديدة في الوطن العربي، لكنها حتى لم تحول الثروات المادية والبشرية الهائلة إلى صناعات استراتيجية، أي لم تخرج عن إطار الصناعات التقليدية الخفيفة والتحويلية التي تعتمد في إنتاجها بنسبة 80 في المئة على المواد الخام المستوردة، كما لا تشكل ثقلاً ترتكز عليه التنمية الاقتصادية المستدامة، أو يمثل قاعدة لتغذية الصناعات الكبيرة التي تمكن العرب من إنتاج سيارة أو قطار أو طائرة أو كمبيوتر أو دبابة... بمواصفات قادرة على فرض نفسها في السوق العالمي. وحتى الصناعات التقليدية التي ذكرتها تواجه إشكاليات تختلف بين دولة عربية وأخرى، لكنها جميعاً تعاني من الاستيراد العشوائي وانفتاح السوق، والارتجال في طرح المشاريع الصناعية غير المدروسة، ومن نقص التمويل. لقد وصل الحال في بعض الدول العربية أنها لا زالت حتى اليوم تعيش على استيراد أبسط الأشياء مثل الورق الصحي (الكلينكس) والآيس كريم ومنتجات الألبان، وأخرى ما زالت تستورد مدخلات الفول والزبادي والألبان، غير قادرة على إنتاج ذلك محلياً. هذه الفجوة بيننا وبين الدول المتقدمة، ما كان لها أن تتسع لو عملنا على وضع الأسس الصحيحة لقيام صناعة عربية متطورة، وعملنا على الاستفادة من علمائنا وتطبيق أفكارهم! ويكفي هنا أن أشير إلى ما ذكره وزير عربي من أنه كان في رحلة منذ وقت قصير إلى المجر، حيث زار إحدى مزارع الألبان ووجد أنها تنتج ما معدله 25 لتر لبن من الرأس الواحد يوميا، وعندما سأل عن سبب تميزهم في الإنتاج، اكتشف أنهم استعانوا بدراسة للعالم المصري الراحل الدكتور أحمد المستجير. إن الحاجة إلى إيجاد رؤية استراتيجية واضحة لخلق صناعة وطنية شاملة، وبالأخص التكنولوجية منها، أصبح أمراً في غاية الأهمية، ومن ذلك تحديد ما نريد من هذه الرؤية، والصناعات التي يجب أن تكون في سلم الأولويات، وكيفية الاستفادة من ثروات الوطن العربي المادية والبشرية الهائلة لخدمة الخطط الصناعية، ولتقليص الفجوة بيننا وبين الدول المتقدمة، وصولا بمجتمعاتنا إلى مرحلة الاقتصاد الصناعي.