يقاس تقدم الأمم بالرعاية الصحية الفائقة، وبمخرجات التعليم المتقدم، وبسهولة الحصول على المعلومة، وبالدخل القومي والفردي المريح، وبعدد ما يقرأ الإنسان في هذه الأمة أو تلك من الكُتب، وبتوفر وسائل الترفيه، والتحرك السلس عبر طرق المواصلات المختلفة بالبيئة النظيفة والهدوء وتحاشي الضوضاء، وقلة عدد الوفيات، وبزيادة مثالية في عدد السكان المناسبة مع المساحة والموارد. .. أيضاً: بتلك المعايير للسلامة المتكاملة مرورياً، وبالاهتمام البالغ بصحة ما يستنشقه الناس ويأكلونه ويشربونه، وبصناديق استثمارية مبتكرة لجعل حياة الأجيال القادمة مريحة في حال تناقصت الموارد وحدث مكروه طبيعي وما يقابل ذلك من أزمات عالمية لها ألف شكل وعنوان. لكن هناك معايير أخرى بدأ الخبراء يعطونها الأولوية في معرفة تقدم الأمم وتأخرها.. مثلاً: عندما تجد أمة تجيد قول "نعم" فإنها للتأخر أقرب، وعندما تجـد أمة مقابلة تجيد فن قول "لا" فإنها بالتالي إلى التقدم أقرب. لكن كلمتي الـ"لا" و الـ"نعم" لا تُقالان على عواهنهما، فكل منهما ليست قولاً وحركة بالرأس أو تجمعاً مؤيداً أو رافضاً مدمراً، فالمسألة أكثر عمقاً من هذه الصور النمطية التي أزاحها خبراء فرز التأخر والتقدم عند الأمم. بعد الحرب العالمية الثانية قرر "ونستون تشرشل" رئيس الوزراء البريطاني الشهير الذي قال "لا" للنازي الدموي، عندما كانت أوروبا تقول "نعم" له طوعاً أو كرهاً، ترشيح نفسه لرئاسة الوزراء في بلاده مرة أخرى، إذ أراد بعد الحرب الكونية أن يقطف ثمار مواقفه وبطولاته أمام عدو قاهر باطش، لكن المجتمع الإنجليزي قال له بكل وضوح وبشكل مدوٍّ: "لا". ... نعم أنت بطل قومي ورمز حربي وأحد أبطال المقاومة الإنجليزية ضد من كان يعتقد أنه سيحكم العالم القديم بسرعة وسهولة، لكنك أيها الزعيم لست رجل ما بعد الحرب.. رجل اقتصاد يعيد ما تهدم وبناء ما قصفته طائرات وبوارج النازي، رجلاً يطعم ملايين الجوعى والمصابين، ويخرج البلاد من أتون ما بعد الحروب والأزمات العالمية، أتونٍ فيها البؤس والفقر والحرمان وفقدان المعرفة بالمستقبل. قال الإنجليز لقائدهم أثناء الحرب ورئيس وزرائهم عندما كانت كل الجزر البريطانية تقصف من الموانئ وحتى المتاحف مروراً بمحطات الكهرباء والسكك الحديدية والمزارع والمستشفيات والجامعات والمدارس: لا للتجديد مرة أخرى.. استرح في بيتك الريفي واكتب مذكراتك! في بلاد المشرق يدخل الزعيم في حربٍ خاسرة منذ البداية وحتى احتلال أراضي دولته احتلالاً كاملاً أو شبه كامل، ثم يعلن أنه انتصر أو أن الحزب انتصر، أو أن ما يمثله من فكر قد انتصر.. حتى وإن خسر الوطن! ثم يعقب هذا تجييش الملايين للمناداة ببقاء (المهزوم) ومناشدته على أن يبقى رئيساً مدى الحياة، أو تُقلب المسميات فتصبح الهزيمة نكسة، والهزائم هي "أم المعارك" والانتصارات، وتدمير كل شيء ليصبح العزة والفخر والفتح المبين! لقد اختارت الأمة الإنجليزية الكلمة الصحيحة في تلك الأوقات، قالت "لا" باحترام وتبجيل. وكلمة "لا" يمكن أن تقولها الأمم كذلك في الثقافة وفي العلوم وفي التاريخ والأمور الاجتماعية لتبقى حيةً بين الأمم. ماذا لو أن أوروبا لم تقل "لا" للسائد من الأوضاع في بدايات القرن السابع عشر؟ بالتأكيد لم يكن العالم في وقتنا الحاضر سيصبح بهذا القدر من المعرفة والعلم والتقدم. وماذا لو لم يقل "فلمينج" لا للهزيمة المتوالية أمام وباء الجدري؟ بالطبع لم يكن ليوجد البنسلين والمضادات الحيوية الأخرى. وماذا لو لم يقل "نيوتن" لا للمعرفة السطحية لكيفية تساقط الثمار على الأرض؟ سيكون قانون الجاذبية في علم الغيب والمجهول بلاشك. وماذا لو لم يصر "جاليليو" على دوران الأرض وكرويتها وموقعها الضئيل جداً بالنسبة للكون الفسيح الذي خلقه الله، وذلك أمام الجهل الذي كان يقول إن الأرض تتحرك لأن قرني الثور الذي يحملها تهتزان من حين لآخر وخاصة أثناء تململ الثور المسكين؟ تخيلوا لو أن "جاليليو" قال "نعم" لذاك الجهل المطبق الذي كان يوزع صكوك الغفران و المعرفة التي لا تقوم على شيء.. لو أن هذا حصل لكنا ندور مع الثور وقرنيه حتى الآن! ربنا سبحانه وتعالى عندما أرسل سيدنا موسى عليه السلام لفرعون لم تكن أولى المهمات تبليغ فرعون بالربوبية ولا التوحيد، كانت أولاها هي قول "لا" لطغيان الفراعنة ضد بني قومه اليهود، الذين كانوا يعيشون عبيداً أذلاء عند أسيادهم الفراعنة، والدليل على هذا ما قاله الله عز شأنه في سورة الشعراء، إذ أمر موسى وأخاه أن يقولا أولاً لفرعون أن أرسل معنا بني إسرائيل، وعندما رفض فرعون ذكّرُه الرسول وأخوه بأن هذا أمر رب العالمين ثم بدأت المناقشة حول الربوبية. كذلك كان تاريخ عيسى عليه السلام مع قومه اليهود ومحتلي الأرض من الرومان، بل إن تاريخ الرسل والأنبياء صلى الله عليهم أجمعين كان واضحاً فيه قول "لا" سائداً لما قبل بعثتهم لأممهم، قالوا "لا" للعبادات الشركية والباطلة و"لا" كذلك للأساطير السابقة للبعثات الكريمة. لقد وقفت طويلاً أمام سورة (الكافرون) في القرآن الكريم التي يقول سبحانه وتعالى فيها: (قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابدٌ ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد. لكم دينكم ولي دين). فرأيت كلمة "لا" تكررت أربع مرات في سورة لم يتجاوز عدد آياتها الست آيات، مما يدل على عظمة كلمة "لا" الإيمانية. هذا ما يتعلق بالأديان، أما فيما يتعلق بالإنسانيات فإن الأمر واضحٌ كذلك، فلم يبقَ أثرٌ تاريخي أو إبداعي كان له تأثير بالغ في الناس بعد ذلك، إلا لأنه قال "لا" للموت تارةً وللظلم تارةً أخرى، ولكل أشكال القُبح على الأرض، خذ مثالاً: الأهرامات والمعابد في مصر إنها صرخة مدوية ضد الفناء حتى وإن كان الموت هو المنتصر دائماً، خذ أيضاً كمثال روايات الحرب والسلام والبؤساء، إن أكثر ما يشدك إليها هو كلمة "لا" للحروب وتوابع الحروب، و"لا" للظلم بعد وأثناء فوضى الأمم وحركاتها العنيفة. في الثلث الأول من القرن العشرين المنصرم، كانت أكثر نجاحات الملك عبد العزيز -رحمه الله- هي توحيد أكثر أجزاء الجزيرة العربية، لكن الأكثر نجاحاً وأبقى ديمومةً هو قول "لا" لمن اعتقد أن الجن قد سكن الراديو، وأن الكفار يخططون لغزو الإسلام عبر التلغراف، وأن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- مهددة بالفناء إن استعملت السيارة والتليفون والطائرة، وأن أكبر الموبقات هي إقامة العلاقات مع الجوار ومع عالم ما بعد أرض العرب والإسلام. ماذا لو لم يقل الموحد كلمة "لا" لذاك النمط الموحش من التفكير؟ كانت الرياض نسخة من كابول والقصيم قندهار أخرى بالتأكيد! وكذلك الباشا محمد علي، كان عصره تنويرياً أيضاً لأنه قال "لا" للمماليك وطرق حكمهم العقيمة التي جلبت التخلف لمصر. لكن كلمة "لا" لا تكفي فقط أن تقال في البدايات، بل لابد أن تتبعها كلمات "لا" من حينٍ لآخر وحسب الحال ومعها مشتقات هذه الكلمة التي لها معنىً واحد، مع مراعاة ألا تقال كلمة "لا" لمجرد التعطيل، ولكن للفهم ولزيادة المعرفة والوضوح. مرة أخرى "نعم" الدائمة في الأمم تعني التخلف و"لا" تعني في أحيانٍ كثيرة التقدم.. بدايةً من رفض تمرير مناقصة أنابيب مجارٍ غير مستكملة للمواصفات، وحتى مراجعة اتفاقيات غير مكتملة للإعفاءات الضريبية مع.. جمهورية موزامبيق مثلاً!