كرس مجلس الأمن بقراره في 12/6/2004 إعلان نيروبي حين وقعت الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان ذلك الإعلان يوم 5/6/2004 متضمناً البروتوكولات الستة (اتفاقية مشاكوس الإطارية 20/8/2002 واتفاقية الترتيبات العسكرية في يناير 2004 وبروتوكولات قسمة السلطة والثروة ومستقبل المناطق المهمشة أي مناطق النيل الأزرق وجبال النوبة وإبيي). وتمثل هذه البروتوكولات الستة جوهر الاتفاقية النهائية لعملية السلام السودانية.
تتطلب الاتفاقية النهائية دوام إدارة الرئيس جورج بوش الابن على رأس الولايات المتحدة ليستمر تعيينها القس السناتور جون دانفورث مبعوثاً رئاسياً لمراقبة تنفيذ (قانون سلام السودان) الذي أقرّه الكونغرس الأميركي في 10/10/2002 وإيفاؤها بوعدها بتقديم ما يزيد على 180 مليون دولار إضافة إلى 3000 طن مكعب من المواد الغذائية. ولم تبلغ الحكومة السودانية هذه البروتوكولات إلا بعد مسيرة طويلة للسلام المنشود. ففي الاستقلال الذي بدأ في مطلع عام 1956 رفضت اللجنة القومية للدستور خياري الانفصال والكونفدرالية وأوصت بمبدأ الحكم الإقليمي وتعللت يومذاك بتخوفها من أن تشجّع تلك الخيارات انفصال الجنوب عن الشمال. وفي إطار التوجه نحو الانفصال طالبت الحركة الشعبية آنذاك بأن يلغي السودان جميع اتفاقياته العسكرية مع الأقطار الأخرى. ويقصد بذلك: معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية (1950). وهذا ما يفسر تأخر انضمام السودان إلى تلك المعاهدة حتى تاريخ 11/9/1964.
حينما نشأت حكومة (الإنقاذ) في الخرطوم جاءت لإنقاذ الوطن من الانهيار الذي أدت إليه سياسات الحكومة السابقة. وبعد اللقاء مع قادة الحركة الشعبية، أعلنت حكومة الخرطوم الجهاد على (الخوارج) الذين سعوا إلى تحطيم (المشروع الحضاري) وإلى اعتبار (الوحدة العادلة مع العرب) نوعاً من السراب. فدعا قرنق في خطابه السياسي إلى تحرير كل السودان، شماله وجنوبه من أجل إعادة صياغته في إطار مختلف سماه السودان الجديد. وبنى هذا على أسس ديمقراطية علمانية تهدف إلى نزع هيمنة الأقلية العربية على الحكم وتتيح للتعدد العرقي والثقافي والديني التعبير عن نفسه في هوية مختلفة عن تلك التي تتبناها الأقلية في ارتباطاتها العربية والإسلامية.
فسرت حكومة الخرطوم شعار قرنق بالوحدة أو الانفصال بأسباب تكتيكية وسعت إلى تعميق الانشقاقات في حركته. إلا أن ذلك الشعار عاد قوياً في ندوة واشنطن في أكتوبر 1993 ما دعا الإيغاد إلى تبني حق تقرير المصير في مبادرتها الإقليمية بالرغم من إعلان حكومة الخرطوم الحرب على الاستكبار والصهيونية والصليبية الدولية، وعلى قبول مبادرة الإيغاد التي حصرت الاستفتاء في الجنوب السوداني بالوحدة والاستقلال، وأن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، وأن أهل السودان كلهم يشتركون في المواطنة. وإذا كانت المواطنة مشتركة فإن الاستفتاء بشأن الوحدة أو الانفصال يأتي دوره بعد 6 سنوات تحت إشراف دولي.
وإذا كان الاستفتاء بشأن حق تقرير المصير مرفوقاً بالدعوة إلى الوحدة أو الانفصال، أي وحدة الوطن السوداني وانفصال ما بين شمال وجنوب، فإنه أصبح مرفوقاً أيضاً بالدعوة إلى حل مشكلات المناطق المهمشة، وهي جبال النوبة وولاية النيل الأزرق وأبيي، وهذا ما يمثله قرار مجلس الأمن في 12/6/2004 بشأن دارفور، وميل الولايات المتحدة إلى جعل مصير هذه المناطق مرتبطاً بمصير الاستفتاء نفسه، بحيث تصبح حدود الجنوب المستفتى وحدود المناطق المهمشة وتعريفها موضع تساؤل، كما يمكن التساؤل أيضاً عن كيفية التصويت حيث توجد القبيلة صاحبة القرار.
ثمة دعوة لفصل الشمال عن الجنوب قائمة على أساس استفتاء الشمال أيضاً فيما إذا كان يرغب في الاستمرار مع الجنوب والمناطق المهمشة في دولة واحدة. ولكن هذه الدعوات لحق تقرير المصير مبعثها واحد وهو أن الوطن العربي زاخر بالإثنيات والطوائف. ومطلوب تفكيك أوصال هذا الوطن، على أن يبدأ التفكيك من الأطراف. ويبدو أن السودان المرشح الأول لتطبيق مبدأ حق تقرير المصير. وليس المشروع الأميركي (الشرق الأوسط وشمالي افريقيا الأوسع) سوى مسعى مختبئ وراء هذا المبدأ بما يتوافق مع مصالح الإدارة الأميركية وإمبراطوريتها الاستعمارية وتحقيق مشروعاتها الإقليمية. وهو مسعى مكشوف يجعل احتلال العراق يغيب كنموذج لدول المنطقة، ويدعو إلى اعتبار السودان هو النموذج.


