الحوثي: دعمته الحكومة اليمنية... ثم تلقى قذائفها
اكتمل شهر على المواجهات الدائرة في شمال اليمن بين قوات الجيش وأنصار الداعية الإسلامي حسين بدر الدين الحوثى المتحصن في منطقة جبال مران بمديرية حيدان في محافظة صعده المحاذية لحدود السعودية. وأسفرت الحملة التي تخوضها قوات الأمن والجيش بهدف اعتقال الحوثي، منذ انطلاقها يوم 18 يونيو المنصرم وحتى الاثنين الماضي، عن سقوط ما يزيد على 200 قتيل و300 جريح في صفوف الجانبين معاً، لكنها مازالت تنتظر حسماً عسكرياً تأخر أو صار أبعد مما كان في التوقع.
وعلى خلفية أحداث مران بين القوات الحكومية وأنصار الحوثي، تبنت أحزاب المعارضة موقفاً اتهم الحكومة بافتعال الأزمات ومحاولة تصفية خصومها السياسيين بواسطة القوة، بينما رأت الحكومة في الحوثي رجلا متطرفاً وقائد تمرد مسلح يهدد الاستقرار ويثير فتنة تستوجب مواجهتها بحزم وقوة. فمن هو الحوثي؟ وما هي خلفيات وأبعاد الأزمة الدائرة بينه وبين الحكومة اليمنية؟ توجه وسائل الإعلام الرسمية اليمنية قائمة تهم طويلة ضد الحوثي؛ بما في ذلك أنه ادعى النبوة، ونصب نفسه إماماً، وحظر على أتباعه تقديم الزكاة إلى السلطات، وأجبر عدداً من اليهود في مديرية حيدان على دفع الجزية، وأسس ميليشيا عسكرية خارج القانون، وكدس كميات كبيرة من الأسلحة، وأنزل علم الجمهورية اليمنية ورفع بدلا منه علم "حزب الله"، وأنه اقتحم المساجد واعتدى على المصلين، ويروج لأفكار متطرفة... وأنه وفقاً لنفس الاتهامات؛ يهدف إلى زعزعة أمن البلاد واستقرارها، بتمويل خارجي.
ولعل ما لم تقله صراحة لائحة الاتهامات السابقة، هو أن الحوثي ربما يطمح أولا إلى إعادة الإمامة الزيدية في اليمن، وقد يسعى ثانياً إلى إعادة ربط المذهب الزيدي بدائرة التشيع والانتساب إلى آل البيت. وبالأحرى ليس في الاتهامات ما يشير إلى أن تمرد الحوثي متصل بالتبدل الحادث في توازنات اللعبة السياسية الداخلية وما استجد من "خيارات" خارجية لليمن خلال السنوات القليلة السابقة. فإثر قيام الوحدة اليمنية وبروز التعددية الحزبية في البلاد عام 1990، كان الحوثي هو ووالده ضمن مؤسسي "حزب الحق" القريب من إيران، ثم فاز حسين بدر الدين في أول انتخابات تعددية في اليمن عام 1993 كأحد نائبين يمثلان الحزب في دائرة حيدان. لكنه أخفق في الانتخابات التشريعية التالية في عام 1997 مفسحاً المجال لشقيقه يحيى مرشح "حزب المؤتمر" الحاكم. وكما توطدت علاقة الحوثي مع السلطة أثناء وبعد حرب الانفصال في صيف عام 1994 فإن السلطة دعمته مادياً ومعنوياً خلال انشقاقه عن "حزب الحق" عام 1997 "على أمل أن يؤدي ذلك إلى انشقاقات مماثلة داخل أحزاب المعارضة الأخرى"! وسرعان ما تبلور توجه جديد لمحاصرة "حزب الإصلاح" الإسلامي والحد من نفوذه الواسع، فكانت الحاجة ماسة إلى نمط آخر للتدين أقل انشغالا بالسياسة وأكثر زهداً في السلطة، من خلال إعادة إحياء طرق التصوف وتوسيع المدارس والهيئات التي تديرها الجماعات الزيدية، وأبرزها "جماعة الشباب المؤمن" التي أسسها الحوثي في عام 1998.
ويقول الرئيس علي عبدالله صالح في هذا الصدد: "جاءنا بعض الإخوان، وقالوا هؤلاء شباب مؤمن ومعتدلون لا يريدون أن يكون لهم ارتباط خارجي، بل يريدون دعما من الدولة... وفعلا نالوا الدعم على أساس أنهم شباب مؤمن وأنهم معتدلون"! بيد أن "الدعم" والود الذي طبع علاقة "الشباب المؤمن" مع الحكومة لم يدُم طويلا. فقبل أن تبدأ الأزمة الحالية بين الجانبين، منذ حوالي سنة ونصف السنة، تنامى شعور طاغٍ لدى الحوثي الذي تلقى تعليمه الديني على يدي والده ثم في مدارس سنية؛ في جامعة صنعاء وجامعة أم درمان في السودان (أواخر التسعينيات)، بالحاجة إلى إخراج المذهب الزيدي من عزلته إلى آفاق الحياة العامة الرحبة، وإشراك الزيود في إدارة البلاد وتنمية مناطقهم التي أصابها حرمان في ظل النظام الجمهوري. فقد ولد حسين بدر الدين الحوثي في محافظة صعده في عام 1958 حين كان الأئمة الزيديون يحكمون اليمن. وحين كان في الرابعة من عمره قامت ثورة 26 سبتمبر وسقط حكم الأئمة الذي بدأ في عام 284 هـ مع الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (حفيد زيد بن علي بن الحسين بن علي الذي تنسب إليه "الزيدية")، أما آخرهم فهو الإمام الهادي الحسن بن يحيى القاسمي الذي أطاحه الجمهوريون في عام 1962.
وكانت صعدة منطلقاً لحكم الأئمة الهاشميين أو الزيود الذين حكموا اليمن، وظلت بها عشائر هاشمية كالمتوكل والمنصور والحوثي التي يقودها حسين بدر الدين الحوثي. ورغم أن بعض مساعدي الحوثي هم من شيوخ عشائر منطقة مران، فإن مكانته إنما يستمدها أساساً من النفوذ الذي كان يحظى به والده كأحد مراجع الزيدية وأعيان الهاشميين. وإن قارن البعض بين الحوثي ومقتدى الصدر في العراق، سواء من حيث تنافر المصالح والخطوط السياسية مع السلطة الحاكمة، أو لجهة استخدام شعارات سياسي


