مشاكل تايلاند المزدوجة
تعصف بتايلاند منظومتان من المشاكل: الأولى مشكلتها السياسية المزمنة، والثانية ما تواجهه هذه الأيام من تداعيات الكوارث الطبيعية الناتجة عن الفيضانات وهطول الأمطار التي استمرت لمدة طويلة، والتي يبدو بأن البنية التحتية للبلاد لم تتمكن من استيعابها فكان ما لوحظ من كوارث لايزال الشعب التايلاندي يعاني منها، المشكلة الثانية ربانية، لكن الدول والحكومات مسؤولة دائماً عن تخفيف وطأتها على الشعوب، وهو الأمر الذي لم يتحقق بكفاءة نظراً لفداحة الخسائر أولاً، ولغزارة الأمطار المنهطلة ثانياً، لذلك فإن مشكلة طبيعية كان من الممكن أن تكون عادية سهلة الحل انقلبت إلى سلسلة متصلة من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وبالتالي السياسية التي سيعاني منها البشر على مدى السنوات القادمة، وبالتأكيد أن الحديث عن مجمل المشاكل الناجمة عن الفيضانات ليس هو المطلوب في هذا المقام، لذلك فإن التركيز سينصب على مشكلة تايلاند السياسية المزمنة.
في نهاية مسلسل الاضطرابات التي اجتاحت تايلاند عام 2010 عاد الهدوء إلى العاصمة، لكن الاضطرابات خلفت وراءها ما يقارب المائة قتيل و1400 جريح، وأشارت التقديرات الأولية إلى أن الخسائر في الممتلكات بلغت ملياراً و250 مليون دولار أميركي، وخسر 100 ألف مواطن في العاصمة بانكوك وظائفهم أو أصيبوا بالإفلاس، وتعد تلك الفترة أكثر الفترات عنفاً في تاريخ تايلاند الحديث وأشدها تدميراً، وفي الوقت نفسه تعتبر أحداث العنف تلك مظهراً واحداً من مظاهر سلبية عدة اجتاحت تايلاند خلال السنوات الخمس الماضية نتج عنها صراع سياسي مرير أدى إلى تدمير النظام السياسي للبلاد وتفكك النسيج الاجتماعي ودمار صورة البلاد في أوساط المجتمع الدولي.
لقد زاد من صعوبة فهم الوضع السياسي في تايلاند الافتراضات والتحليلات الخاطئة التي استشرت إعلامياً وتقول بأن المسألة هي عبارة عن مواجهات مجردة بين أصحاب القمصان الصفراء في مقابل الحمراء، والأغنياء في مواجهة الفقراء، والسكان الحضريين في مقابل الريفيين، والشموليين في مقابل الديمقراطيين، إن كل واحدة من تلك الثنائيات المتضادة تحتوي على جزء من الحقيقة، فعلى أرض الواقع كل منظومة من الصراعات السياسية هي عبارة عن تحالف سياسي فضفاض لمصالح عدة، لكن مع تزايد حدة الصراع جرت محاولات لوضع المجموعات ضمن تصنيفات أيديولوجية تنحسر على منتسبيها جميعاً حيث تم وصف أصحاب القمصان الصفراء بأنهم شموليون وموالون للملكية، في حين صنف أصحاب القمصان الحمراء بأنهم "يساريون" راديكاليون، والغريب في الأمر هو أن ذلك التصنيف الأيديولوجي وجد له أصداء خارج تايلاند، وخلق توترات في الوسط الأكاديمي وذلك مع القيام بتصنيف المحللين والأكاديميين بأنهم مع أو ضد هذا الفريق أو ذاك.
على أية حال، ما يهمنا نحن في الإمارات هو أن تهدأ الأوضاع في تايلاند وأن يعم البلاد والعباد السلام والهدوء والسكينة، فحجم العلاقات مع تايلاند في هذه المرحلة في تزايد مستمر نتيجة لموجات السياح الإماراتيين الذين يأمون تايلاند إما للاستجمام أو العلاج، وبالإضافة إلى ذلك فإن حجم التبادل التجاري معها في صعود مستمر سواء على تصدير النفط والغاز أو إعادة تصدير السلع المصنعة أو استيراد المواد الغذائية والكهربائيات والعمالة.
لكن بقراءة الحالة التايلاندية بصورة أكثر دقة وتمعناً يتضح بأنه رغم الهدوء الذي يسود البلاد حالياً على الصعيد السياسي إلا أن تخفيض درجات الاستقطاب بين المجموعات التي تواجه بعضها بعضاً وإعادة المجتمع إلى سابق عهده قبل المشاكل السياسية ومشاكل الفيضان ليست بالأمور السهلة التي يمكن أن تحدث بجرة قلم.