كوريا الشمالية..."طريق ثالث" للتغيير
على مدار العقدين الماضيين، جرب المجتمع الدولي نهجين رئيسيين في التعامل مع كوريا الشمالية: الأول، هو نهج المبادرات السخية من جانب كوريا الجنوبية، والثاني هو نهج المقاطعة والعقوبات من جانب الولايات المتحدة، وهما نهجان كان مصيرهما الفشل حتى الآن.
ونظراً لأن هناك تقارير تفيد أن كوريا الشمالية، ومنذ أن فشلت في إطلاق قمرها الصناعي في أبريل 2012 منهمكة في الإعداد لتجربة نووية ثالثة، فإن ذلك لن يكون له من تأثير سوى مفاقمة الوضع في شبه الجزيرة الكورية، وهو ما يستلزم العمل على البحث الحثيث على نهج بديل، وأكثر فعالية للتعامل مع هذه الدولة من قبل المجتمع الدولي.
ووجود زعيم جديد، وحدوث تغييرات إيجابية حتى وإن كانت محدودة في المشهد الكوري، يتيحا فرصة يجب على المجتمع الدولي التمسك بها من أجل التأثير على إحداث تغييرات حقيقية في سياسات"بيونج يانج".
فالنهج الذي اتبعته سيؤول في التعامل مع تلك الدولة على مدار الفترة من(1998-2008 )، والذي تمثل في سياسة "الشمس المشرقة" للرئيس كيم داي- جونج" ثم سياسة"السلام والرخاء" لخليفته "روه مو-هيون"، لم يؤد لجعل سياسات الأخيرة تعاونية وسلمية، بل جعلها تضاعف من جهودها الرامية لتطوير أسلحة وإجراء تجارب نووية، وهو ما أدى لإحباط سيؤول والمجتمع الدولي معاً.
من ناحية أخرى ساد نهج المقاطعة والعقوبات الاقتصادية على التعاطي الأميركي مع نظام كوريا الشمالية منذ انهيار ما عرف بـ"اتفاقية الإطار" عام 1994، وإن كانت واشنطن قد حرصت على الإبقاء على بعض قنوات الاتصال مع هذا النظام. ولكن المشكلة، كانت هي أن تلك العقوبات، لم تكد تؤثر على النخبة الكورية، ولا على تماسك النظام، وإنما كان من عاني منها أشد المعاناة هو الشعب الكوري الشمالي الفقير.
وما يمكن قوله في هذا الخصوص، هو إن النهج الحالي الذي يتبعه الغرب تجاه بيونج يانج يفتقر إلى الخيال علاوة على عواره الأخلاقي، مما كان يستدعي ضرورة البحث عن طريق آخر.
هذا الطريق الآخر يمكننا أن نطلق عليه"الطريق الثالث"، ويتمثل في قيام المجتمع الدولي بتدشين استراتيجية جديدة لها هدف واحد هو"التطوير السلمي للنظام الكوري الشمالي"، ويجب أن تشتمل هذه الاستراتيجية الجديدة على إجراء اتصالات شاملة مع الشعب الكوري الشمالي وليس حكومته فقط. وهذا الاتصال الشامل لا يجب أن يقتصر على تقديم الطعام والوقود، كما كانت تنص الاتفاقيات السابقة بين البلدين، وإنما يجب أن يكون له مدى أوسع نطاقاً، وأكثر تحديداً من المدى الذي ذهبت إليه سياسة "الشمس المشرقة" لكوريا الجنوبية.
وكمحور ارتكاز لهذا النهج، يجب على واشنطن وبيونج يانج الاتفاق على تطوير ودعم برامج الزيارات المتبادلة للوفود الشعبية للدولتين، مع تعزيز برامج ومبادرات توفير المنح الدراسية لطلبة كوريا الشمالية، وتشجيع الفرق الرياضية المتنوعة، لهذه الدولة على المشاركة في المزيد من الفعاليات والمنافسات الدولية.
ويمكن أيضاً في هذا السياق استكشاف إمكانية إجراء اتصالات بين المؤسسات العسكرية الكورية الشمالية والغربية- حتى وإن كان ذلك الأمر لا يبدو متصوراً في الوقت الراهن. ويجب أن يتم الأخذ في الحسبان في هذا الصدد أن الاشتباك الإيجابي الشامل مع كوريا الشمالية لا يعني المصادقة على نظامها، وإنما يعني السعي من أجل إحداث تغييرات إيجابية داخل البلد ذاته عن طريق التأثير على نخبته الحاكمة بتشجيع العناصر الإصلاحية، وعزل العناصر المتطرفة داخل هذه النخبة، (وهي سياسة قد تبدو دون كيشوتية، ولكنها ليست كذلك في الحقيقة). وهذه الاستراتيجية في رأيي، يمكن أن تؤدي إلى التأثير على إحداث تطويرات داخل كوريا الشمالية ونخبتها الحاكمة في المدى الطويل تفوق بكثير المقاطعة والعقوبات.
واحتمالات نجاح هذه الاستراتيجية تتزايد إذا أخذنا في الاعتبارات التغييرات الأخيرة الإيجابية للقيادة الجديدة في"المملكة الناسكة".
ففي الوقت الذي ينادي فيه الغرب بفرض المزيد من العقوبات على هذه الدولة المعزولة نجد أنها تسعى للتواصل مع غيرها من الدول، واكتشاف الطرق التي تؤدي بها للخروج من العزلة والتهميش، وتطوير اقتصادها.
ويمكن النظر إلى الزيارتين الأخيرتين اللتين قام بهما،"كيم يونج نام" رئيس مجلس الرئاسة للبرلمان الكوري الشمالي لسنغافورة وإندونيسيا في هذا الإطار حيث تسعى من خلالهما لاجتذاب المزيد من الاستثمارات وتطوير التجارة المتبادلة مع الدولتين.
وهناك ظواهر أخرى قد تبدو بسيطة، ولكنها عميقة الدلالة منها أن هناك صورة رسمية جديدة سمحت الحكومة الكورية بنشرها للزعيم الجديد تظهره، وهو يرتدي بدلة على الطراز الغربي ورباط عنق، كما تم نشر صور أخرى تظهر مواطنين كوريين متحمسين وهم يحتضنونه في حب واعتزاز.
حيازة أسلحة نووية ليست هي الشيء الوحيد الذي يجعل هذه الدولة أكثر خطورة. ففي رأيي أنه إذا ما تم ضمان أمنها فإنه ليس من المتوقع لها أن تضطر للجوء لاستخدام مثل تلك الأسلحة. ولكي ينجح النهج الدبلوماسي الجديد المقترح من الضروري للصين والولايات المتحدة أن يتعاونا معاً ويوفران ضمانات أمنية مشتركة لكوريا الشمالية.
"كيم جونج أون" الزعيم الجديد لكوريا الشمالية ما زال في مقتبل شبابه، ومن غير المتيقن ماذا سيكون عليه مستقبل كوريا الشمالية تحت قيادته. لذلك، يجب أن ينتهز المجتمع الدولي الفرصة الراهنة للتأثير على إحداث التغييرات المأمولة في بيونج يانج من خلال النهج الجديد القائم على التواصل والتعاون والضمانات الأمنية، كبديل عن نهج المقاطعة والعزلة والعقوبات الذي ثبت عدم جدواه.
--------
زيكن زو
أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية بجامعة "باكنيل" الأميركية
---------
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"