في بداية عام 2011، عندما أبلغت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية باراك أوباما بأن بن لادن قد يكون مختبئاً في مدينة "أبوتا باد" الباكستانية، طلب من قادته العسكريين إعداد طائفة من الخيارات التي يمكن من خلالها تصفية بن لادن وتقديمها إليه. ورغم أن وزير الدفاع "روبرت جيتس" كان متشككاً بشأن نجاح عملية ضرب المجمع، نظراً لعدم تيقن الاستخبارات من أن بن لادن موجود فيه بالفعل، فإن الرئيس حبذ أكثر الخيارات عدوانية، وهو تكليف وحدة من القوات الخاصة بشن غارة على المجمع المذكور، رغم معرفته أن ذلك سوف يؤدي للإضرار بعلاقات بلاده مع باكستان. والغارة على مجمع زعيم "القاعدة" في باكستان، واحدة من أحداث مهمة أخرى يتطرق إليها "جيمس مان" في كتابه الموسوم "الأوباميون... الصراع داخل البيت الأبيض من أجل تعريف القوة الأميركية"، الذي يأخذنا إلى كواليس السياسة الأميركية ويكشف لنا عن ملامح الشخصيات المعقدة لفريق أوباما للسياسة الخارجية، وفيه يرى أن ذلك الفريق ينقسم إلى معسكرين: الأعضاء ذوو الخبرة السياسية الكبيرة الذين يحتلون مناصب وزارية، والمساعدون الأصغر سناً الذين دخلوا البيت الأبيض من دون أن يكون لهم إلمام كبير بدقائق وخفايا السياسة الخارجية. وبالإضافة لهذين المعسكرين هناك بعض المسؤولين السابقين المخضرمين الذين عملوا في إدارتي بوش الأب وبيل كلينتون، وقد صقلوا مهاراتهم السياسية خلال حرب فيتنام ومناورات فترة الحرب الباردة. وهذا التنوع الفكري والاختلاف الجيلي بين مكونات فريق أوباما للسياسة الخارجية أدى إلى مواقف متناقضة تدعو للتساؤل. فمثلاً احتفظت إدارة أوباما ببعض السياسات التي ورثتها عن إدارة بوش، بما في ذلك برنامج "سي. آي. إيه" المتعلق بالتسليم غير القانوني للمسجونين المشتبه بارتباطهم بالإرهاب لدول لها سجلاتها في التعذيب، هرباً من المسؤولية القانونية من ناحية، ولانتزاع أكبر قدر من الاعترافات من ناحية أخرى. كذلك احتفظت إدارة أوباما بسياسة إدارة بوش في إبقاء المسجونين رهن الاعتقال إلى ما لا نهاية، لأنهم إرهابيون وسوف يعودون لممارسة الإرهاب ضد أميركا بعد الإفراج عنهم. كما توسعت إدارة أوباما في ممارسة "القتل المستهدف" عبر زيادة الاعتماد على ضربات الطائرات التي تطير من دون طيار، وعمليات القوات الخاصة الرامية لتعقب وقتل قيادات "القاعدة". وفيما يتعلق بالتعامل مع تداعيات "الربيع العربي"، يرى المؤلف أن أوباما اتبع نهجاً حذراً، وذلك عندما منح على مضض دعمه للحراك الشعبي في تونس ومصر، لكنه استمر في علاقاته الوثيقة مع أنظمة أوتوقراطية أخرى حفاظاً على مصالح بلاده. وفضلاً عن ذلك، تعرض أوباما لهجوم شديد من نقاده بسبب إحجامه على الدفاع عن حقوق الإنسان في دول كالصين على سبيل المثال. وفي هذا السياق يذكر المؤلف الهجوم الكاسح الذي تعرضت له وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون عندما صرحت قبل زيارتها إلى الصين عام 2009 بأن الخلافات بين الدولتين حول ملف حقوق الإنسان يجب ألا تعوق العلاقات الدبلوماسية بينهما. لكن أوباما نجح -في نظر المؤلف-في اتّباع نهج جديد في السياسة الخارجية، عندما أظهر التزامه بالتعددية وحقوق الإنسان في ليبيا. فمن خلال مساعدته على تدشين حملة القصف الجوي ضد نظام القذافي والسماح للناتو بتولي المسؤولية وانتقاله هو للمقعد الخلفي، فإن أوباما كان يصوغ ملامح دور جديد للقيادة الأميركية تبتعد فيه قليلاً عن الواقعية وتقترب قليلا من المثالية، أو بمعنى آخر الابتعاد قليلاً عن واقعية كيسينجر وسكوكروفت، والاقتراب لحد ما من مثالية "ويلسون". ويرى "مان" أن أوباما لم يكن يجري اختياراً بين نظريتين للعلاقات الدولية فحسب، وإنما كان ينجز أيضاً تحولاً من أميركا باعتبارها "دولة لا غنى عنها" في عهد كلينتون إلى أميركا التي تعتنق التعددية في القضايا الدولية، ما يعدّ تكيفاً مع الواقع الاقتصادي لإدارة تواجه نقصاً متزايداً في الموارد. ومن المزايا المهمة التي ينطوي عليها كتاب "الأوباميون" أنه يلقي نظرة مقربة على علاقات الرئيس بأعضاء فريقه للسياسة الخارجية، وكيف أنه كان حريصاً دائماً على الاستماع لوجهات النظر المختلفة بشأن كل قضية من القضايا التي تطرح عليه أو التي يعكف على دراستها. ودراسة المؤلف للقضايا المختلفة التي تعامل معها أوباما، تنتهي به إلى استنتاج مؤداه أن الرئيس يميل للمحافظة على الأمر الواقع، عندما يكون ذلك معقولاً أو حصيفاً، لكنه يحرص كذلك على تكريس مبدأ استخدام قدر أكبر من المبادئ عندما لا تتناقض تلك المبادئ مع المصالح الأميركية. سعيد كامل الكتاب: الأوباميون... الصراع داخل البيت الأبيض من أجل إعادة تعريف القوة الأميركية المؤلف: جيمس مان الناشر: فايكنج أدلتس تاريخ النشر: 2012