تحالف "بيت القائد" في إيران
إيران الحكومة والدولة، وإيران النظام الحاكم، أمران مختلفان بالرغم من الاتفاق الخارجي، ولا غموض في ذلك إنْ كنا ندرك تركيبة وهيكل نظام الحكم في إيران، ومن هنا تأتي أهمية تناول مسمى «بيت القائد»، والذي يُراد به أن القائد الأعلى للثورة لا يدير أمور البلاد منفرداً، بل يجتمع في «بيته» أو مؤسسة الولي الفقيه آلاف الموظفين ما بين موظف إداري وخبير ...الخ من تخصصات مختلفة وتتبعه العديد من المؤسسات الدينية والسياسية والاقتصادية والثقافية ليعمل الجميع على تنظيم وتنسيق إدارة شؤون البيت وربطه بالمؤسسات الثورية الرئيسية وجناحها الاقتصادي بجانب التيارات الموالية لفلسفة الثورة، ليشاركوا جميعاً إذا تحدثنا بمثالية بعيدة عن الواقع في عملية صنع القرار.
وأول من أطلق مسمى "بيت"على المنظومة تيمناً ببيت الله الحرام هو آية الله الخميني وصار فيما بعد يعرف بـ«بيت الإمام» قبل أن يستخدمه آية الله خامنئي الذي تولى بعده منصب القائد الأعلى للثورة لوصف مكتبه الذي يدير منه شؤون إيران.
ولكن الاختلاف يتمحور حول دور مؤسسة مرشد الثورة، أو ما يطلق عليه «بيت القيادة» والذي يتألف من الولي الفقيه ومجلس الخبراء الذي ينتخب المرشد الأعلى/ الولي الفقيه من بين أعضائه ومجلس صيانة الدستور، والمجلس لديه قوة فعالة على رفض قوانين البرلمان، إذا رأى أن القانون الذي أقره البرلمان يتعارض مع الدستور أو الشريعة ومجلس تشخيص مصلحة النظام" الذي يتوسط في النزاعات بين السلطتين ويعمل كهيئة استشارية للمرشد الأعلى ومجلس الأمن القومي ووزارة الاستخبارات والأمن الوطني (قانون خاص يفرض أن رئيس (وزارة) المخابرات يجب أن يكون رجل دين، والذي يعمق بدوره نفوذ المرشد الأعلى) بجانب القضاء الذي هو مسيطر عليه من قبل البيت والجناح العسكري لحماية مكتسبات الثورة المتمثل في الحرس الثوري وتلك المنظومة تتحكم في صناعة السياسات الإيرانية والتدخل في عمل الوزارات السيادية وتسيير بعض الإدارات الحكومية ودور مهم في إدارة شؤون البلاد العامة وقبل ذلك عمل رئيس الجمهورية الذي يسير وفق خطة مرسومة له لا يحيد عنها شمالاً ولا يميناً.
و"بيت القيادة "منظمة كبيرة تتألف من مجموعة مبانٍ ومكاتب متصلة ببعضها البعض، تتضمن المباني الرئيسية لمكتب المرشد في وسط العاصمة طهران، وتتصل من الجهتين بعدد من مباني الأجهزة الحكومية: المبنى المركزي لمجلس الأمن القومي الإيراني، ومكتب رئاسة الجمهورية، وبأحد المباني التابعة للرئاسة ومحمية بوحدات خاصة من الحرس الثوري تسمى «حرس ولي الأمر» ومنظومة البيت مرتبطة بصورة وثيقة مع قادة السلطات الثلاث، الوزراء، وأعضاء البرلمان، وغيرهم من اللاعبين المؤثرين في السياسة والاقتصاد الإيراني وتوجهات الدولة وسياساتها الدينية، كما أن طبيعة الدولة الإيرانية تقيد سلطات الرئيس بعدم جعله القائد العام للقوات المسلحة، فهذا الدور حصرياً من صلاحيات المرشد الأعلى، وتسلسل الأمر من المرشد الأعلى مباشرة إلى رؤساء القوات المسلحة النظامية، وبشكل منفصل لقائد فيلق الحرس الثوري الإسلامي، كما أن رئيس "فيلق القدس"، الذراع السري للحرس الثوري يرفع تقاريره مباشرة إلى المرشد الأعلى، وهو هيكل إتخاذ قرار يعكس قوة تحالف "بيت القائد" وسلطة من يقف على هرم ذلك البيت.
فالمرشد الأعلى هو مؤسسة وحكومة قائمة بحد ذاتها، حيث يحدد المرشد النغمة واتجاه سياسات إيران الداخلية والخارجية، كما أنه مراقب على عمليات المخابرات والأمن في الجمهورية الإسلامية، وأنه وحده يستطيع إعلان الحرب أو السلام، ولديه سلطة تعيين وإقالة قادة السلطة القضائية، وشبكات الراديو والتليفزيون، والقائد الأعلى لقوات الحرس الثوري ويُعين أيضا ستة من اثني عشر عضواً في مجلس صيانة الدستور، وهي الهيئة التي تشرف على أنشطة البرلمان، ومن جانب آخر تقع كذلك تحت سيطرة المرشد الأعلى المؤسسات الخيرية (البونياد)، التي تدير مئات الشركات.
ووفقاً لبعض التقديرات يتم تخصيص أكثر من نصف ميزانية الدولة لها، ومعظم المؤسسات التابعة لها معفاة من الضرائب، والدستور يكفل كل ذلك، وكيف لا والمادة الخامسة في الدستور تنص على أنه «في زمن غيبة الإمام المهدي، تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير»، كما أن كل مؤسسات الدولة تقريباً توازيها مؤسسات ثورية تدير إيران على أرض الواقع.
كما أن الصراع في قوى وطموح العسكر والمعارضة الإيرانية سواء كانت معارضة داخل الجهاز الحكومي (التيارات الرئيسية الأربعه:اليميني التقليدي واليساري الإسلامي الإصلاحي والليبرالي والمعتدل) أو معارضة دينية ومعارضة اختلاف مطالب وطموح الأجيال والحركات الشبابية أو معارضة مسلحة خارجية وداخلية والتنافس بين تيارات النظام الداخلية هي المحرك الرئيسي للتغيير، وليس المعارضة الخارجية، أو قنبلة الأقليات والقوميات ومناوشاتها أو الصراعات الدينية بين علماء الدين الشيعة، التي تبقى بعيدة عن مسامع العامة. ولا يتم توظيفها سياسياً بجانب أن ولاية الفقيه تمثل اجتهاداً متطوراً في الفقه الشيعي بالرغم من فشل النظام من التصالح مع متغيرات العصر ناهيك عن دور منظمومة البازار - التي تضم نحو 400 ألف من تجار السوق ودورهم التاريخي والحالي في صنع القرار، ولكنهم يفقدون تأثيرهم الاعتيادي بعد بلوغ الغالبية منهم سنا متقدمة ومنافسة التجارة الإلكترونية والجمعيات الشعبية لهم، وتنامي قوى الاقتصاد الافتراضي والمعرفي بين جيل الشباب.
ومن جانب آخر لا توجد قناعة لدى الكثير من علماء الحوزات العلمية بتخصيص دور للحوزة العلمية لتنفيذ الأهداف القومية الإيرانية بدلاً من التركيز على نشر ثقافة التشيع وجعلها تبدو عصرية لجيل الشباب. وأخيراً وليس آخراً بالرغم من انتماء الحرس الثوري لمؤسسة الولي الفقيه إلا أن الحرس بدأ يتحول إلى تنظيم يوازي تنظيم الدولة، وتحكمه ببناء الدولة وقوته الاقتصادية الكبيرة وتعاظم نفوذ أكبر رموزه سيف ذو حدين في مستقبل الدولة الإيرانية ومعادلة القومية الفارسية وعمامة الولي الفقيه.
وفي ما يخص زواج الأيديولوجيا الثورية بمشروع الطاقة النووية ورغبة إيران في أن تصبح قوة عالمية من خلال نشر الثورة الإسلامية على الصعيد العالمي، يجب أن يؤخد بجدية أكبر وخاصة لأهمية البرنامج النووي للنظام الحاكم لدمج جدية المشروع مع التطلعات القومية العرقية وتضليل العامة، وإقناعهم بأنها لا تتعارض مع القومية الأيديولوجية وإدراك القوى الدولية أن مصالحها الإقليمية ترتبط مباشرة مع ذلك التضليل وتسويقه في صفقات نفعية، بعد أن وصلت إيران إلى نقطة لا توقف بعدها، وخاصة بعد جهود فرض التوافق بين أسلحة الدمار الشامل والمبادئ الإسلامية، وترديد رجال الدين المؤثرين مثل "محسن شرفيان" أن «استخدام الأسلحة النووية قد لا يشكل مشكلة وفقا لأحكام الشريعة»، وصب وقود القومية على خشب التطرف المذهبي لتشتعل نيران ادعاءات أنها ضرورة حتمية للدفاع عن الأمة الإيرانية بأي ثمن.
ومن وجهة نظر إيران، تعكس الطاقة النووية خطوة حيوية رئيسية في التقدم العام نحو السيطرة على العالم دون أن ننسى تعطش دول العالم التي تسعى لأن تكون قوة عالمية مؤثرة مثل دول شبه القارة الهندية والصين ودور الطاقة الإيرانية في تلك المعادلة.
والمتتبع للحراك الإيراني في كل قارات العالم، يتبين له وضوح استراتيجية إيران وتركيزها على تحقيق الأهداف التي تسعى لها بدهاء كبير، وثمة مثال على ذلك هو استثمار إيران عشرات المليارات في الاقتصاد الفنزويلي، بما في ذلك مشاريع مشتركة للتنقيب والتعدين واستخراج المعادن النادرة كاليورانيوم، وحصول إيران على مقاعد في مجالس إدارة العديد من الوكالات الدولية الرئيسية مثل الأمم المتحدة، وحتى رئاسة لجنة الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي، وتوظيف المعرفة والتكنولوجيا المكتسبة عبر هذه الوكالات،لتطوير كل الأقمار المدارية المنخفضة لصالحها. فما جدوى الإدانة والشجب، وإيران تتحرك كالأخطبوط بمعرفة ومباركة من يهاجمها في الإعلام في كل يوم.
فهل اندثرت بلا رجعة حقبة التحالفات التقليدية وإعلان ولادة عصر تحالفات الاقتصاد الجيوسياسي، تحالف يحركه اتفاق أو صفقة اقتصادية مرهونة بالوضع السياسي المحلي أو الإقليمي أو الدولي لضمان انسيابية حركة الموارد الحيوية المحركة للاقتصاد الوطني للجانبين، مقابل كسب جيوسياسي غير معلن للطرفين. وظهور دبلوماسية الدفعات المؤجلة المرتبطة بخلافات مفبركة وأجندات متفق عليها مسبقاً لتحقيق أرباح دبلوماسية وسياسية على المدى المتوسط والطويل، دون معارضة بل على النقيض دعم كل الأطراف المستفيدة من تلك العملية رغم الخصومة الظاهرة علناً، ومدى استفادة "بيت القائد" من نهوض أسهم دبلوماسية إقصائية، لا تعترف بالمبادئ والقيم الإنسانية، ولكن بالمصالح المشتركة فقط، والتي تدعمها حقوق إنسان مطاطية وقانون دولي يعطل بازدواجية المعايير.