الدولة القطرية العربية: رهانات وتحولات
لا تزال فترة ما بعد استقلال الأقطار العربية، تطرح جملة من الأسئلة الجوهرية حول موضوع الدولة القطرية العربية، إن في إطار الشرعية، أو مشاركة النخب، أو طبيعة الأجهزة وأهمية المؤسسات التي تتولد عنها. وفي كتابه «بناء الدولة وانعكاساته على واقع الدولة القطرية العربية»، يتعرض الدكتور مليود عامر حاج لأهم المسارات التي عرفتها الدولة القطرية العربية من خلال بيان أهميتها في المجتمع، ودورها في إعادة بناء علاقاته. وبالاعتماد على المنهج الوصفي النقدي من جهة، وعلى المنهج التحليلي المقارن بين الدولة في الغرب وعند العرب من جهة ثانية، يركز الكتاب على بيان ما نجحت فيه الدولة في حالة السياق الأول، وما أخفقت فيه إلى حد معين في حالة السياق الثاني. ولا ينسى المؤلف التذكير بأن تجربة الدولة في البلدان العربية قصيرة جداً، بالمقارنة مع أصول الدولة في الغرب، والتي تمخضت عنها ظاهرة الاستعمار الحديث، بينما تعد الدولة القطرية العربية مجرد كيان سياسي يزاول السياسة المحدودة والآنية. ورغم ذلك فإن هذه الدولة شهدت جملة من التحولات المهمة خلال فترة ما بعد الاستقلال، سواء تعلق الأمر بالبعد الهيكلي في رصدٍ لعمليات مؤسساتها ونشاطاتها، كالإدارة والجيش وجهاز الأمن والتمثيل الدبلوماسي.. إلخ، أم تعلق بالبعد الاجتماعي الخدماتي، من سكن وصحة وتعليم ونقل، أم ارتبط بالبعد الاقتصادي، كالشركات والوكالات التابعة للقطاع العام. بيد أن التحديات الكبرى التي واجهت الدولة العربية، وهي في إطار التبلور -يقول «حاج»- تقوم على جملة من المشكلات والعراقيل التي حالت دون بلوغ مستوى بناء الدولة، وهي تتعلق بالأبعاد التركيبية والقومية والسياسية وبالتوزيع العادل.. وغيرها.
وربما ترتبط تلك المشكلات والعراقيل بالخصوصية الفريدة للدولة العربية، وهي كونها جاءت من فراغ أملى عليها انتهاج سياسات صعبة وخطيرة، لا بحكم افتقادها الأرض الصلبة التي تتكئ عليها فحسب، بل بدواعي انتظام وجودها أيضاً، وتفعيل كيانها كذلك، ضماناً لعلاقاتها بالمجتمع.. الأمر الذي ترتبت عليه أربعة ظواهر ملازمة لهذه الدولة: احتواء المجتمع، غياب المشاركة السياسية، كثرة العنف السياسي، استشراء المظاهر السلبية.
ولتلك الأسباب مازالت الدولة القطرية العربية، في الأغلب الأعم، تعيش جملة من التحديات والتهديدات الداخلية والخارجية، في غياب البنى التي تحكم لعبة الحكم والسلطة، وحيث لا تزال فترة ما بعد الاستقلال هي العنصر الفاعل في ضبط هذه الحركية. وذلك ما جعل تقويم التجربة القومية لدى الدولة القطرية العربية، منذ الاستقلال وإلى الآن، يتضمن التساؤل القديم الجديد: أين وُفّقت الدولة القطرية العربية؟ وأين أخفقت في المرحلة الأولى؟ ثم ما العمل في المرحلة الثانية؟
وأخيراً فإنه وفقاً للدكتور حاج، لا تزال أمام الدولة القطرية العربية مراحل وأشواط شاقة في البناء والترميم والإصلاح، بهدف ربط علاقاتها بالمجتمع في إطار مفهوم جديد للسياسة يستند إلى التحولات والرهانات، الداخلية والخارجية، الخاضعة بدورها لأصول الحكم ووسائل السلطة، من أجل تطوير البناء المؤسسي عبر آليات ورؤى تأخذ في الحسبان تراث الأجيال السابقة، وما تنتظره الأجيال القادمة كذلك.
محمد ولد المنى
-------
الكتاب: بناء الدولة وانعكاساته على واقع الدولة القطرية العربية
المؤلف: ميلود عامر حاج
الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية
تاريخ النشر: 2014