تناسب العقوبة مع الجريمة
يعد مبدأ تناسب العقوبة مع الجريمة من أهم المبادئ الجزائية، لضمان تحقيق العقوبة غايتها في الردع الخاص والعام، وفرض العدالة، وإصلاح وتأهيل المجرم. وتضع القوانين حداً أقصى وأدنى للعقوبة، ليتمكن القاضي من تقديرها بحسب ظروف الجاني وملابسات الواقعة.
ويعاقب قانون العقوبات الاتحادي من يمتنع عن الإبلاغ عن جريمة علم بوقوعها بغرامة لا تتجاوز ألف درهم، ويعاقب من يتعرض لأنثى على وجه يخدش حياءها بالحبس والغرامة أو بإحدى العقوبتين، ويعاقب من يقتل عمداً بالإعدام. وواضحٌ هنا التناسب، لكن مثل هذا التناسب قد لا يتوافر حين نكون بصدد أكثر من قانون يعاقب على جرائم تحمل درجة الخطورة والجسامة ذاتها، وذلك بسبب التفاوت في تاريخ صدورها.
وإذا أتينا إلى عقوبة الغرامة، فقانون يصدر في سنة 1980 قد يقرر عقوبة مالية تقدر بألف درهم لجريمة ما، لكن مثل هذه العقوبة -في ظل التضخم- لن تكون زاجرة لجريمة في مستوى الجريمة الأولى لو صدر بها قانون سنة 2015، وهكذا بالنسبة للعقوبات المقيدة للحرية، فقد يصدر قانون لمواجهة ظاهرة خطيرة ويضع عقوبات يمكن أن تحد من تفشي تلك الظاهرة، وتكون هناك قوانين قديمة ونافذة كانت قد وُضعت للحد من أفعال في جسامة الأفعال المجرمة وفق القانون الجديد، لكن العقوبات متفاوتة بشكل كبير، فالفعل المجرم سابقاً لم يكن يشكل ظاهرة وتحدياً مقلقاً، ومن ثم كانت العقوبة مخففة قياساً إلى التغليظ الذي وُضع للفعل الجديد، والذي هو في جسامة الفعل الأول، لكنه أصبح جزءاً من ظاهرة، وكان من الواجب تغليظ العقوبة عليها.
ويلاحظ أن الكلام هنا لا يتعلق بالجرائم المتشابهة والتي قد يُعاقب عليها وفق أكثر من قانون، فيحدث أن يكون الفعل الواحد مكوناً لجرائم متعددة معاقب عليها بقوانين مختلفة، إذ كلما واجه المشرع مثل هذه الحالات فإنه يحرص على تضمين القانون الجديد نصاً مفاده أنه لو كانت هناك عقوبات أشد نصَّ عليها قانون آخر، فهي أولى بالتطبيق، لكن مثل هذا النص لا محل له حين نكون بصدد جرائم غير متشابهة، لكنها على درجة واحدة من الخطورة. كما يلاحظ أنه لا يمكن إحلال القانون الجديد محل القديم، وذلك لاختلاف الأفعال التي يُعاقب عليها وفق القانونين، فالحديث هنا عن التشابه في جسامة الأفعال المجرمة وفق أكثر من قانون ومدى خطورتها.
وبطبيعة الحال، ليس ثمة مخرج لإشكالية عدم تناسب العقوبات مع الجرائم المتشابهة في خطورتها وجسامتها، والتي ينتج عنها اختلاف المراكز القانونية للأفراد المخاطبين بمجموعة من القوانين العقابية التي لا يتوافر في عقوباتها التناسب الذي يحقق الغاية من العقوبة، سوى غربلة القوانين العقابية بين قت وآخر، أو بين مرحلة وأخرى، وتعديل العقوبات على الأفعال التي تم تجريمها في فترات متباعدة وفق قوانين مختلفة صدرت في أوقات متباينة، لتكون العقوبات على الجرائم التي تحمل درجة الخطورة والجسامة ذاتها، متناسبة مع بعضها بعضاً، سواء من حيث التغليظ أو التخفيف في العقوبات الأصلية أو الفرعية أو التدابير الجنائية.