الحديث عن موضوع الإصلاح الإداري حديث غاية في الأهمية. فالإدارة هي عماد كل مشاريع التنمية واستراتيجياتها وبرامج التطوير والخطط المستقبلية التي تبني عليها الدولة مرتكزاتها الحضارية ونظرتها المستقبلية. وهي تمثل روح النهضة والتطور وجوهر البناء والتنمية والتقدم الذي تعمل له الكثير من الدول ألف حساب. لذلك فإننا نجد أن عملية الإصلاح الإداري في هذه الدول غالباً ما تتميز بطابع الحركة المستمرة والتغيير الدائم وفق آلية واضحة وفاعلة لا تتوقف لحظة واحدة عن التجديد على عكس ما يحدث عندنا. فعلى الرغم من تقدم مسار الإصلاح الإداري في بعض المؤسسات والدوائر المحلية بصورة غاية في الجودة، وعلى الرغم من الطروحات النظرية والخطابات الشفهية من بعض المسؤولين حول موضوع الإصلاح الإداري وإعادة تعديل الهيكل الوظيفي وتبسيط الإجراءات وتغيير "الذهنية القديمة"، إلا أن القطاع العام وبالأخص الوزارات الاتحادية لا زالت تعاني من إشكالية توقف المسار الإصلاحي عند محطة بعيدة زمنياً. وأعني بذلك أن فاعلية أجهزتها الإدارية لا زالت غير قادرة على تجسيد المفهوم الجديد للإدارة الإصلاحية بصورتها الصحيحة.
الموظف لا يزال يعاني من ضعف حجم العلاوات وجمود الترقية. الحوافز لا تصلح لتحريك فاعلية العمل الإداري، والكثير من الخبرات والكفاءات تعاني من حالة التهميش، والعديد من القوانين واللوائح والتشريعات تحتاج إلى مراجعة شاملة. أما موضوع المحاباة والمحسوبية والواسطة واستغلال النفوذ والفساد الإداري فقد أصبح يشكل صورة ظاهرة على السطح. مجلس الخدمة المدنية الذي من المفترض أن يشكل المنطلق الرئيسي لإحداث حالة الإصلاح الإداري في هذه الوزارات بحكم موقعه وصلاحياته، يعاني هو نفسه من إشكاليات إدارية عديدة أهمها أنه يفتقد إلى روح الإصلاح الإداري حيث إنه طوال ثلاثين سنة متوقف حول بعض القوانين الإدارية العقيمة، لم يقدم ضمن مشروعاته مشروعاً استراتيجياً إصلاحياً طويل المدى لمنظومة المؤسسات الوزارية بصورة تتوافق مع رؤية التحديث التي تتحرك فيها قطاعات الدولة المختلفة.
هذه الصورة كانت واضحة في مناقشات المجلس الوطني في جلسته التي خصصها لمناقشة أداء الجهاز الإداري في الدولة وتطوير الأداء الوظيفي على المستوى الاتحادي التي حضرها سعيد الغيث وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء ورئيس مجلس الخدمة المدنية والتي أثيرت فيها نقاط عديدة أهمها: إن الخدمة المدنية تعاني من قصور كبير في أداء وظيفتها وإن بعض المسؤولين يعتبرون الوزارة أو المؤسسة كأنها شركات خاصة بهم، وبعض الوزراء يختارون المقربين لهم للمناصب القيادية، ويظل الوزير يدافع عنهم ويتغاضى عن أخطائهم على حساب مصلحة الوزارة أو المؤسسة. إن ظاهرة المحسوبية والفساد الإداري أصبحت واضحة في الوزارات والمؤسسات. كنت أتصور أن هذه الصورة القاتمة ستقنع الوزير بوجود مثل هذه الإشكاليات وستجعله يقول بكل صراحة وشفافية إن هناك استراتيجية جديدة لمعالجة كل هذه الإشكاليات لحماية مؤسسات الدولة من وجود مثل هذه الظواهر المرضية التي تشوه أخلاقيات العمل، إلا أنه قال في رده على موضوع المحسوبية: لا أستطيع التحدث في موضوع المحسوبية ومن يثيرها يجب أن تكون لديه بيّنة.
والبيّنة في تصوري واضحة في العديد من المؤشرات والتقارير والأخبار الصحفية، بل إن وزير العمل الدكتور على الكعبي قال بكل وضوح وشفافية منذ أول يوم دخل فيه الوزارة: إن الفساد الإداري موجود داخل الوزارة، وإنه يعمل على وضع استراتيجية لمعالجة هذه الحالة، ثم إن هناك ديوان المحاسبة الذي نشر العديد من التقارير التي تشير إلى وجود مثل هذه التجاوزات التي تحدث في وزارات الدولة. وكان أهمها وجود 35 مخالفة قانونية وإدارية ومالية داخل وزارة التربية والتعليم فقط عام 2004. والفريق ضاحي خلفان تميم قائد عام شرطة دبي قال بصراحة: إن حالة الفساد الإداري استشرت في الدولة وإن هذه الحالة وصلت إلى مرحلة خطيرة يمكن أن نطلق عليها صفة ال، "ظاهرة"، حيث إنها تجاوزت الحدود بصورة لا تتناسب مع مكانة وانفتاح الدولة، وإن "هوامير" المؤسسات الحكومية يديرون مناصبهم لخدمة مصالحهم الشخصية.
إن على المجلس الوطني الآن مهمة كبيرة في إصلاح الأوضاع الإدارية المقلوبة في وزاراتنا الاتحادية، وذلك من منطلق مسؤولياته وصلاحياته المجتمعية. وإن مجلس الخدمة المدنية في حاجة إلى قيادات جديدة تفهم كيف تتعامل مع صورة الإصلاح الإداري بصورته الجديدة، وخاصة أن بعض قيادات مجلس الخدمة المدنية لم تتغير منذ ثلاثين سنة. ثم إننا في حاجة أيضاً إلى نشر ثقافة أخلاقيات المهنة في مؤسسات الدولة واعتبارها مادة أساسية في مناهجنا الدراسية.