يسألونك عن الهوية
يسألونك عن الثقافة·· يسألونك عن الهوية·· والقوافل تمضي باتجاه الريح، فالفكرة التي تاهت في خضم العواصف العاتية والأمواج الهائجة والطموحات التي لم تضع للهدف نقطة ارتكاز مادت بها الأرض فتمايلت وترهلت فهوت·· فصارت الهوية أشبه بالأطباق الطائرة، نراها ولا نلمسها والثقافة حلم لم تكتمل تفاصيله فصرنا نبحث عن مدار حول الشمس فالتهبت الرؤوس واكتوت النفوس وصارت الدروس التي تتداول هنا وهناك مجرد تجديف في الهواء الطلق··
ففي مجتمع عربي مثل الإمارات تمتد جذوره في صلب التاريخ، القيمة والشيمة معاً في طريق واحدة والإرث الضارب في نخاع العظم لا يقبل الحنث مهما ساورت الأذهان من موجات مضطربة ومهما ناورت وتحاورت، فالإنسان في بلادنا غريب الوجه واللسان، لأن الحوار لا يدور في الصلب والنقاش لا يمس اللب، ولا جديد في الأمر غير أننا نحاول أن نستعيد الذاكرة، والذاكرة مثقوبة، معطوبة، مسلوبة، مغلوبة، مقلوبة، والفراغ يملأ الإناء·
نحاول ولا نضع للمحاولة هدفاً، وقد كنا سلفاً تجرأنا وخدشنا الخطوط الحمراء وانقلبنا على أنفسنا فانقلب القارب بنا وتسربت المياه المالحة إلى العمق فتهاوى القارب فسيطر الدوار على الحوار ولم يبق أمام المتداولين غير الصراخ في عتمة الليل البهيم·
والآن ماذا نفعل؟ فإذا كنا نرفض الإفراط، فإننا نمقت التفريط فالاثنان سيان في فشل الامتحان·
لذلك نريدها معرفة واعية ونريدها نقلة نوعية من حالة الإبهار بما تم استيراده إلى حالة ثقافية، ناهضة، نابضة، قابضة على الهم الإنساني مرابطة عند حدود الواقع منطلقة إلى أفق الآخر بندية لا تغرقنا بالصخور ولا تنسينا أهمية التواصل مع الآخر فالأمم لا تعترف ولا تحترم إلا الأقوياء، فالمتقوقع على ذاته ضعيف والمندلق أضعف وفي بلادنا إرث ثقافي ورموز ثقافية قادرة على الصمود والخلود إذا ما توفرت النية لتأسيس وعي ثقافي يبدأ من البيت إلى المدرسة، إلى الشارع، هذا النتاج الثقافي الإنساني في بلادنا لا يقل شأناً وقيمة عن سائر ثقافات الأمم، المهم في الأمر أن نتحرر من الدونية وأن نتخلص من عقد النقص وأن ننحاز إلى نقاط القوة فينا، لا أن ننجرف باتجاه البكاء على اللبن المسكوب·· فدولة الإمارات العربية المتحدة ليست مجتمعاً طارئاً ولا حالة راهنة، بل هي تكوين صار بصيرورة الأرض والسماء وتحرك مع حركة الرمل في الصحراء، والصخرة في الوادي والجبال الشماء·· فالثابت في بلادنا هي الثقافة، والمتحرك ما حولها ونحن ندور في فلكه متكئين على الأسس مرتكزين على الثوابت·· فثقافتنا عنوان هويتنا، وهويتنا الإمارات العربية بأبعادها التاريخية والاجتماعية·