لنفكر ملياً سنجد أنفسنا لسنا أول الراحلين إلى حيث تستقر العولمة، فشعوب العالم من أدنى الأرض إلى أقصاها تهتف باسم الهواء الطلق، الساحة الواسعة الفسيحة لكن دخول المدينة المزدهرة بالأحلام الوردية لم يجعلها تطير محلقة بعيداً عن واقعها، فالتضاريس التي شققت أقدام الأولين من الآباء والأجداد لاتزال ترسم وشماً نبيلاً في الذاكرة، والدروب التي قطعتها قوافل الأمل لاتزال تتذكر لون العرق الذي تسرب في رمالها النبيلة، وصوت النهام لم ينسه بحر الخليج ورائحة الصدفات لم تزل تعبق راحات الكفوف· من هنا تبدأ الحكاية لتروي لنا قصة إنسان عاش على هذه الأرض وأهدى النشيد الكون فلم ينغلق ولم يصفق الأبواب، بل شرع هاتفاً مغنياً مرتلاً حبه للكون وللناس أجمعين، منسجماً مع ذاته، محترماً الآخر، فعلم وتعلم، وكلم وتكلم وخاطب وخطب الود مكتنزاً بثقافة لا تشوبها شائبة ولا تهزمها نائبة، ثقافة إنسان الإمارات الذي كتب الشعر اعتزازاً وقص الحكاية محتدماً بطموح التداخل مع الآخر والتواصل دون احتراز أو ابتزاز لأنه إنسان خاض البحر بشيمة الأوفياء والنجباء وسار محدقاً في فضاء الدنيا معتنقاً حب الأرض والالتزام الأخلاقي بقيم الأرض التي نشأ على ترابها وانطلق من شعابها· هذه هي ثقافتنا التي وشمت هويتنا واتسمت بها علاقتنا بالآخر·· إيماناً منا بأن حب التواصل مع الآخر لا يعني الذوبان في بحره، ولا يعني السير حفاة باتجاه أشواك الآخر، ولا يعني الانغماس في الطين المبلل حتى ذوائب الرأس ولا يعني الانحسار إلى الخلف·· حتى التعثر· حب الآخر يبدأ بالتصالح مع النفس، والتعاطي بشفافية دون انزواء أو انطواء ولا القبول أيضاً بالاحتواء· حب الآخر قيمة إنسانية رفيعة المستوى والوعي بالقيمة قاسم مشترك لا يقبل التورط في اجتثاث الأشجار من جذورها واستيراد أعشاب بلاستيكية لتصير جزءاً من تربة الأرض·· حب الآخر، عشق للإنسان متبادل في الرؤية والهدف، أما الاكتساح والاجتياح فأمر كفيل بانقراض شعوب وزوال هوية وأفول نجم ثقافة· حب الآخر مهنة المحترفين في صناعة الغد وصياغة الوعد وصيانة العهد وكتابة التاريخ في صحائف لا تقبل النسخ والفسخ· حب الآخر، سطور تكتب بعرق ودم لا تمسحها نظريات براجماتية راهنة واهنة تذبل في الخريف وتزهو في الربيع· حب الآخر ليس فرحة ولا نزهة هو وتد من أمد هو عيد بلا رمد، هو أحفورة للأبد فلو أحصيناه لوجدنه لا يعد لأنه فصل من أصل ووصل من أزل منحه الجد للأب وأهداه الأب للنجل· حب الآخر كلون البشرة الصحراوية امتد مع امتداد الزمن فجاءت محن وذهبت محن وبقيت في العميق العميق سكناً· حب الآخر، إن ألغى الثقافة يبقى خرافة من ذهب، يبحث عن دواء لداء عند عرافة·