استلم علي سالم البيض (1939-2026) الأمانة العامة للحزب الاشتراكيّ اليمني في أحرج الظروف وأدقِّها، بعد أحداث 13 يناير 1986، فكان مِن شخصيات الحزب التاريخيَّة الباقين على قيد الحياة، بعد أن أكلت الثَّورة ما أكلته مِن أبنائها الأوائل، على مراحل. ويُذكر أن الذي أصرّ على أن يكون البيض أميناً للحزب هو سعيد صالح، «الذئب الأحمر» مثلما عُبِّر عن بسالته، لدوره في حرب التحرير، والذي أصبح وزيراً لأمن الدولة (1986-1990)، بعد أن كان رئيساً لاتحاد الفلاحين.
حاول علي سالم البيض، عقب 13 يناير، وهو الأمين العام، أن يدفع إلى التقليل مِن الحماس العالي للانتقام، حتى كان هناك برنامج تذيعه القوات المسلحة تحت عنوان «كي لا ننسى» ضد الجناح الآخر في الحزب. كان يعقد ندوات تُذاع على الهواء للتخفيف من حِدة عاطفة الثأر والكراهية، وكان مِن أول يوم تأسيس الدولة (نوفمبر 1967) في حكومتها، وفي كل محطات التنظيم الذي تبلور إلى الحزب الاشتراكي، في القيادة العليا، فكان مع اليسار في انقلاب (1969)، والذي عُرف بالخطوة التصحيحية.
وإذا حسبنا أن الولاءات كانت على المناطقية، فهو من أبناء حضرموت، وبالفعل وقفت منظمة الحزب فيها مع الجناح الذي منه علي سالم البيض، وكان من الناجين في حادثة المكتب السياسي (1986)، وهو الذي أعلن مقتل عبد الفتاح إسماعيل بعد تفجير المدرعة التي حملته مِن قاعة المكتب السياسي إلى السفارة السوفييتية، وظلت الشائعات تُتداول حول وجوده، وكانت له شعبية داخل الحزب، وهناك مَن يعتبره منظِّر الحزب، وكان أمينه العام.
استعمل البيض في رثاء رفيقه عبد الفتاح، ما قاله فردريك أنلجز في رثاء رفيقه كارل ماركس (1883): «أي مشعل للفكر انطفأ، أي قلب توقّف عن الخفقان!»، قالها بلهجته الحضرميّة المحبّبة، بقلب القاف كافاً. وإذا كان البيض أول وزير دفاع، فهو أحد الذين حصلوا على التدريب العسكري بمصر، في حرب التّحرير، فعبد الفتاح كان أول وزير ثقافة وكان منظِّراً وشاعراً.
وعلى الرغم مِن أن البيض لم يكن في السُّلطة، منذ عام 1994، إلا أن نبأ رحيله هزّ اليمن جمعاء، فما يخصّ المؤمنين بالوحدة اليمنية اعتبروه هو صاحب القرار الصعب، وما يخصّ الاشتراكيين والتقدميين عامة فهو الذي قاد الحزب في أصعب الظروف، قبل الوحدة (1990) وبعدها، فحوادث (1986) كانت موجعةً للحزب، حصل فيها أكبر انشقاق على مستوى القيادة والقواعد، أما عن قرار الوحدة فيتحمله لمركزه أميناً عاماً، وهو صاحب الفضل فيه.
كان المكتب السياسي مجتمعاً واستأذنهم الأمين العام للخروج لاستقبال رئيس الشمال علي عبد الله صالح، وكان الاتفاق أن تكون وحدة جزئية ليست اندماجية، مثلما حصل، إلا أن للبيض رأياً آخر، فما إنْ مرّ مع علي عبد الله صالح من نفق الكولدمور، الذي يربط كريتر بالتواهي، داخل عدن، حتى عاد لهم بقرار الوحدة الاندماجية، وأخطرها توزيع المعسكرات بين الشمال والجنوب. لكن بعد الحوادث حاول البيض الرجوع عن توزيع المعسكرات، وعودة كل منها إلى مكانه، لكنه لم يستطع، وظل الخلاف قائماً حتى حرب (صيف 1994) على عدن.
حاول أثناء قيادته للحزب الاشتراكي، العملَ على إطفاء ثائرة الثأر بعد حوادث يناير، والتي وصلت لأبناء الفريقين في المدارس، وكنا نشهد ذلك. كما تحمّل مسؤوليتَه حول ما آلت إليه أحوال عدن ومحافظتها، وكل ما نشط به بعد نجاته من حرب 1994 لإعادة الأمور إلى نصابها، ولم يطمع في أن يكون له دور جديد، هذا ما كان يصرّح به، وما تنشره جريدته «بريد الجنوب»، الصادرة في الخارج، فكان مخلصاً في قرار الوحدة، لكن الطرف الآخر اعتبرها ضمّاً وليست وحدةً، وهذا ما اضطره ورفاقه لقرار أصعب بإعلان الانفصال.
*كاتب عراقي


