لماذا نعود كل عام لنذكر لحظة تأسيس دولتنا؟ لماذا نصر في كل احتفالية بعيد الاتحاد على العودة لتلك اللحظة وتفاصيلها التي نحفظها عن ظهر قلب؟
إننا بذلك الفعل المتجدد إنما نطرح على الذاكرة سؤالاً يوضح كيف لأمة أن تصوغ تاريخها بطريقة تجعل من الماضي داعماً للمستقبل. إننا بذلك نعيد إنتاج ذاكرتنا الجماعية، نعيد ترتيبها وصياغتها بطريقة تُبقيها قوة فاعلة للزمن المقبل.
هذه الحقيقة أدركتها بعمق حين عملت قبل 14 عاماً على مشروع «من ذاكرة الروح»، ذلك الملف الصحفي الذي كتب عنه في هذه المساحة كثيراً، واستلزم مني قراءة آلاف الأخبار المنشورة - قبل التأسيس ولمدة أربعين عاماً - بحثاً عن خيوط صغيرة يمكن أن تنسج صورة كبيرة لوطن في طور التأسيس. اكتشفت في تلك التجربة أن الذاكرة ليست صندوقاً نحفظ فيه ما مضى، بل هي نسيج حي، يتوسع كلما أعدنا قراءته، وأن الماضي ليس زمناً، بل مادة خام نصنع منها ما نراه ممكناً في الغد. وحين نفعل ذلك يصبح الاحتفال بعيد الاتحاد احتفالاً بقدرتنا على إعادة تشكيل ذاكرتنا الجماعية، لا استدعائها كما هي.
كل خبر صغير، وكل صورة بالأسود والأبيض، وكل قرار اتُّخذ قبل عقود، لم يكن مجرد تفصيل في سجل الزمن، بل كان بذرة لفكرة ونواة لطموح، وبداية لطريق جديد. نحن في هذا الوطن لم نتطور لأننا نتذكر تاريخنا فقط، بل لأننا نعيد كتابة معنى هذا التاريخ في كل مرحلة نعبرها.
ما نحتفي به في عيد الاتحاد ليس الماضي، بل المستقبل الذي تصوره القادة السابقون وحلموا به. ذلك المستقبل الذي نعيد صياغته الآن في كل ذكرى للاتحاد. إننا نحتفل بطريقتنا في رؤية الزمن، لا بالزمن نفسه.


