لستُ غير مبالية..
أنا فقط منهكة!
هكذا صنفتُ حالتي التي اختبرتها مؤخراً.
طالما عرفتُ نفسي من أولئك الذين يعبأون بما يحيط بهم، حساسة لآلام هذا الكوكب، مقتنعة تماماً أن هذا الإحساس وما يتبعه من فعل.. هو ما يصنع الفرق. مؤخراً.. زادت الخيبات، الأشياء لا تتغير. فقد أصبحتُ مُثقلة بتراكم الأخبار المؤلمة، بالمعارف التي لا تفتح باباً للتغيير، بالحقائق التي لا منطق لها. اقتنعتُ دوماً أن المعرفة قوة، تفتح لصاحبها أفقاً لفهم مفردات واقعه وتسخيرها. ولكن حدث شيء.. لقد باتت هذه القناعات محل شك!! شك في معناها، في جدواها أساساً! خصوصاً بعد أن أصبحنا نعرف أكثر مما نستطيع احتماله، وأكثر مما نستطيع تغييره!
نعيش اليوم في حياة تطفح بالمعارف والعلوم والأخبار. نرى ونفهم ونشعر، ثم نعود إلى حياتنا مثقلين بإحساس العجز. كأن الوعي الذي كان يُفترض أن يكون أداة تغيير، تحوّل إلى عبء صامت. نعرف ما يجري بدقة، نحلل، نفسر، ونتعاطف، لكن قدرتنا على الفعل تلاشت، نكتفي بالمشاهدة، والشعور بلا أي فعل. هذا الإنهاك المستمر للمشاعر بسبب كثرة ما نعرفه مقرون بحقيقة مفادها أن لا معنى للمعارف. ولكن كيف تغير هذا المعنى؟ متى أصبحنا نكتفي بأن نعرف ثم نتوقف، لنتعرف على شيء آخر.. أيضاً بلا فعل! لماذا توقفنا عن الفعل، أي فعل! ما الذي تغير فينا لنتحول إلى كائنات غافلة تعرف كل شيء ولا تفعل شيئاً؟ أم السؤال الأنسب هنا.. هل المشكلة فينا، أم في حجم ما نعرفه؟
فعلاً.. لقد صرنا نعرف أكثر مما ينبغي، وأكثر مما تحتمله قدرتنا البشرية المحدودة على الاستيعاب والفعل. هذا التدفق الجارف لمعارف تصلنا دفعة واحدة وبلا تمهل، لا يترك لنا مساحة داخلية للتفكير، ولا زمناً لتحويل الفهم إلى ممارسة. يُفجعنا هذا الكم، ويشل قدرتنا على الاختيار. لقد صار السؤال عما يجب فعله أكثر إرباكاً من الجهل نفسه. فنتصور أن الأفعال الكبرى هي فقط القابلة للتطبيق، وهي أفعال تتجاوز طاقتنا أصلاً. هكذا يتحول الوعي من دعوة للفعل إلى سبب للتوقف. ولعل استعادة المعنى تبدأ حين نعيد للمعرفة إيقاعها الإنساني، وقتها تتحول إلى معرفة تترجم إلى أفعال صغيرة ممكنة التحقق.


