في مسألة البقشيش، حدث ولا حرج! واسأل ''روحك'': هل البقشيش ضرورة أم ترف؟ حلال أم حرام؟ إلزامي أم تطوعي؟ واجب أم أمر؟ معلوم أم مجهول؟ إيجابي أم سلبي؟ وما زالت الأسئلة مستمرة وأحيانا محيرة! فهل البقشيش تعريفة إضافية أم نوع من الذوق والمجاملة؟ ثم هل يعطى البقشيش قبل الخدمة أم بعدها؟ وإذا تضمنت الفاتورة نسبة اضافية من الخدمة، فهل يتوجب بعد ذلك دفع البقشيش؟ وفوق ذلك كله، من اخترع البقشيش، وكيف عرفه الناس، أين ومتى؟ هل صحيح أن البقشيش ضرب من الفوقية والطبقية كما ينظّر بعض اليساريين، ويزيد اليسار المتشدد أن فيه تحقيراً وإهانة للنادل أو العامل في المطعم أو المقهى أو الفندق!! مع أن اليابان مثلاً، وهي دولة رأسمالية، إلا أنها ترفض البقشيش، وتعتبره إهانة، كما ينظّر عتاة اليسار، أما الصينيون فلا يهمهم دفعت بقشيشاً وإلا خرجت مبتسماً، لا فرق، والهندي سيظل يهز رأسه إن كان الزبون عربياً، إما إن كان إنجليزياً فسيبقى الهندي يشكر الإنجليزي على تفضله في الأكل في مطعمه، ولو عنده فلوسً لكان دفع عنه· وأغلب الظن أن الأميركان عرفوا البقشيش قبل غيرهم، وسموه'' تبس'' أو أن الفرنسيين نقلوه إليهم والذي يسمى عندهم تدليعاً ''بور بوار'' أي من أجل الشرب، ومن ثم انطلق لينتشر في العالم، انتشار النار في الهشيم في القرن العشرين· دول الخليج ظلت بعيدة عن هذه الظاهرة وخالية منها إلا أن الازدهار النفطي، والاحتكاك بمجتمعات وشعوب، أوجد ظاهرة البقشيش أو البخشيش، وهي كلمة فارسية تركية دخلت العربية إلا إذا كان أصلها من البخ وهو نوع من الضرب والرّش، وتأتي كلمة البخشيش كنوع من الرشوة والبرطلة، فنقول بخششه· وفي مصر تتجلى هذه الظاهرة في كل مكان من المطار إلى المطار، ولا يمكن أن تطرح حججاً واهية مثل: ''ما معيش فكة أو لسه ما صرفتش جنيهات'' عندها سيقول لك العامل ''معلش يا أفندم نفكها لك، ونستقبل كافة العملات·· بس نو إيجبشن موني'' وإذا أمعنت في حجتك وشعر بأنك لن تعطيه شيئاً، ربما أسمعك كلمة ''طيبة'' مثل: ''وعامل فيها بيه·· أو بيل كيتس''؟! تماماً مثلما سمعها ''بل جيتس'' نفسه، وهو أغنى رجل في العالم عندما بخل على نادل المطعم بالبقشيش في إحدى زياراته لمصر! أما في مقاهي المغرب فإن النوادل يتبادلون مواقعهم مقابل ''خلوا·· وسر قفلية أو قهيوه'' وبعض النوادل يعملون ''مجانا'' في المقاهى بدون راتب لأنهم يعتمدون كلياً على البقشيش، والشيء نفسه يقال عن البقشيش في بلاد الشام، وإن كان في لبنان أكثر ازدهاراً وحضوراً وكرماً، وإذا لم تدفع ''وريهم عرض كتافك''· وخلاصة القول إن البقشيش انتصر على النظريات الأخلاقية، فأصبح شراً لا بد منه، وتأبط شراً من ''يطنش'' عنه· وينصحك ''الخبراء'' إذا سافرت فلتحمل على سبيل الاحتياط فكة من العملات الخاصة بوجهة سفرك، ولكن لا تكن مثل الأميرين الشقيقين: وليام وهاري نجلي ولي عهد بريطانيا اللذين دفعا نسبة واحد في المائة فقط من قيمة الفاتورة، بدلاً من عشر في المائة، أثناء إحدى عطلاتهما في سويسرا، فتم نشر القصة على موقع يديره النادلون الغاضبون من زبائنهم الأمراء البخلاء!