الكتاب بيت الكلمة، وبحرها، وأرضها، وسماؤها، وحقلها، وحفلها، ونخلها، وجذلها، وجدلها وسردها، وسندسها، وإستبرقها، وسحرها، وفخرها، وجذرها، ونحرها، وقدرها.
 لهذا السبب يحتفل العالم بالكتاب، ويحتفي به، ولأنه الأصل والفصل، والوصل، والنصل، والحلم والقلم لأن الكتاب جاء من ورقة القلب، ليحفظ سر العلاقة ما بين قلب وقلب، ويسرد سر النهوض بسؤال الإنسان الوجودي، (من أنا)، وها هو الآن يستطرد حديثه مع الذات البشرية، ويسهب في الكلام، والصفحات تفتح أزاهيرها، وتمضي الرِّكاب قُدماً، تمضي حقباً، وتمضي في الدياجير لتبيض سوادها، وتمضي تحت أشعة النهار، لتمنحه ذهب اللقاء، ما بين نجمة وغيمة، وما بين بحر وشجرة، تعانق السماء، وتُقبِّل وجهاً اسمه الإيحاء، ومنه تمضي الكلمة في ولادة الفكرة وفي الأفكار تتباين العقول، وتتحد عن مضارب الوعي بأهمية أن نكون واحداً، يحتفي بالواحد كما يحتضن كله. 
الكتاب، ذلك العنقود الرخي، ذلك المنشود، نتمناه بألا يوضع على رفٍّ ويبقى مثالاً لحضارات مهزومة، نتمنى ألا يزايد عليه أحد، ويقول الكتاب تلاشى، وتوارى خلف ركامه، بل هو اليوم أكثر من الأمس، مضاء بشغف صغار وكبار، مرفرف كعلم يسخو بالحب عندما يكون الحب إنساناً له في الدنى، أنساب لهم في الجذر المعقود على ثمرة وغصن وشائج قُربى، ونياط تنبض برفرفات كأنها أجنحة الطير، وكأن الطير استولدها من أحشاء غيمة مرت من هنا، من بين تلافيف، وعروق، واختزلت الزمان في صفحة، من كتاب، ولما قرأنا اكتشفنا أننا نتلو أعمارنا، ونحن نذهب إلى الكلمة، ونرتل أسماءنا على صفحة سماء زرقاء منّها الله الكريم برحمته، ومنحها المدى كي تكون صفحة لوعينا، صفحة لتأملنا، صفحة لقراءة أسماء من أحببنا، ومن افترقنا عنهم قبل الأوان، ومن نحب ألا يكونوا إلا صورة لحكاية خرافية، منحتها حق القص، وتفنيد ما يحدث في ضمير الورقة التي كانت بالأمس شيئاً من شجرة، وأشياء من عشقنا لرائحة العطر في الثنايا، والجذور.
 كتاب، وقلم، وروح تتوارى خلف كلمة متناهية الصغر، عظيمة الأثر، ولم يبقَ من الزمن إلا لحظة كي نكمل الرواية ونقول للقادمين من جهة القلب، أنتم الحب كله، أنتم الكلمة التي لم تُقَل بعد، فيا لها من كلمة سامقة مثل النخلة، باسقة مثل الحلم الزاهي، متألقة مثل حسناء في طرفها حَوَر، متأنّقة مثل طائر يحلم في قمحة الحياة، رغم علوّ كعب الموجة، ورغم عمق اللجّة، وها هو الطير يُحلِّق فوق رأسي، ويرسم صورة رجل نسي العمر في حقيبة المدرسة، وراح يبحث عن قلم ليكتب أسماء الذين تركوه واقفاً عند رصيد بقالة خاوية إلا من بعض زجاجات دافئة لا تصلح للاستعمال، أولئك الذين قالوا له، هل تذكر عندما كان البحر مثل زجاجة فارغة وكنت أنت تبحث عن سمكة أوصتك بها الأم الحنون. فكتبت لها رسالة شفوية برزت على مُقْلتَي العين، وقلت: البحر لم يصطد أسماكاً اليوم، فصومي، لتفطري على بصلة.