من الحيل الإعلامية الخفية التي تتبعها بعض القنوات العربية والعالمية بالذات، أنها «تستدعي» مفكراً أو مثقفاً أو متخصصاً، وليست «تدعوه» لتسجيل حلقة أو بث مقابلة، هي دعوة مبطنة، لذا تنطلي على ذلك الضيف، خاصة وأنه يعتقد أنه يصنع حُسناً، ويدعم موقف بلده، لكنه يقع في براثن وخيوط اللعبة الإعلامية التي تدرك تماماً ما تريد منه غير شرح وجهة نظره أو استجلاء موقف بلاده حيال قضية ما، خاصة وهي تنتقي إما من كان مقرباً من منصب رسمي أو متصدراً للمشهد الإعلامي أو مؤثراً له ذلك الحضور أم محباً للظهور الإعلامي المجاني أو الثرثار بدرجة الحماقة، فتركز القناة أو من يمثلها من المحاورين، والمحاورات هنا أكثر تأثيراً في عقلية المشاهد الجاهز والمتلقي بامتياز، على أسئلة ذات تشعبات، هي مواضع اتهام في الأساس أو نقاط ضعف يراد تضخيمها وتلوينها لتصبح من فقاعة إلى جبل ثلجي يحمل معلومات ووقائع، بحيث لا تظهر أنت المشاهد إلا بوقع الأسئلة، وأصوات الاتهام الموجهة للضيف. مهما حاول ذاك الضيف حينها أن يبرر ويعطي الحجج ويقدم البراهين، وجربوا أن تفعلوها بأنفسكم ستجدون أن ما علق في أذهانكم بعد أي مقابلة إعلامية ساخنة أسئلة المحاور فقط أو ذكاء المذيعة وتلاعبها، في حين تغيب أجوبة الضيف، ويظهر ضعفه ومحاولة تشتيته، وأنه ما كان في الموقع إلا ليتلقى السهام المصوبة نحو صدره أو الموجهة نحو بلده.
من الحيل الإعلامية الخفية أيضاً أن يتعاون ضيف نبّاح على الضيف المقابل مع ثقل وإدارة مذيع القناة في التحكم وليس التحكيم ليخرج في النهاية ذلك الضيف بكم من الضعف أو العصبية الزائدة أو الحماسة الطاغية، فتضيع البراهين والسلاطين وقوة حججه مع فلتان خيوط اللعبة الإعلامية والسياسية من يده، فيظهر هزيلاً أو أقلها أنه مغلوب، ولكي يُدمر ذاك الضيف في تلك الليلة، والقصد في لعبة الحيل الإعلامية ليس الضيف بشكل شخصي، ولكن بلده، فيُرَبّطون مع أكثر من ضيف أو معلق من جهات العالم المختلفة، وهؤلاء مطلوب منهم العمل مثل مطارق من حديد على رأس ذلك الضيف ليخرج بهزيمة شبه معلنة، ولا ترى تلك الخيوط الحريرية على أنها مقابلة مدبرة، ومدفوعة الأجر مسبقاً، وهي من أجل الفُرجة العلنية فقط.
ومن الحيل الإعلامية الخفية أن تدعو قناة ضيفاً، وتتكفل بكل ملتزماته ومصاريف سفره وترفيهه مع ظرف قرطاسي مع نهاية تسجيل الحلقة فيه أنواط عملة أجنبية تعد بالآلاف، ترى هذا الضيف، خاصة إذا ما جاء من خلفية فقيرة ومحطمة ولديه ذاك الشره نحو ملذات الحياة ونعيمها الغائب عنه، ولا تمنعه أيديولوجيا أو وعي وطني أو حس بالقيم الإنسانية، كم سيكون ذاك الضيف متعاوناً مع أهداف القناة، وطيّعاً ليناً مع ما يطلب منه من أجل تسهيل اللعبة الإعلامية، بحيث سيكون أداة تنفيذ، متى يتظاهر بالضحك، متى يتراءى بالغضب، ومتى تشتعل حماسته، ومتى يبكي على الأطفال والشهداء، ومتى سيظهر في مشاهد بطيئة «سلو موشن» لخلق ذلك التأثير والتلاعب بالعواطف، يومها سيظهر ذاك الضيف المدعو بدرجة خمسة نجوم كممثل سيئ، و«كومبارس» رخيص لا ينطلي على عقول من يدركون معنى الحيل الإعلامية في تدمير المواقف السياسية!