أكتب المقال منذ ثلاثة عقود، منذ أن بدأت دراستي للعلوم السياسية. فقد أخذت بفكرة «إبداء الرأي»، أصبحت مُغرمة بتشكيل الجملة التي تعبّر عني. قناعتي كانت كاملة أن قدرتي على شرح ما أشعر هو أعزّ ما أملك، وعلى امتداد سنوات لاحقة، انشغلتُ طويلاً بكتابة المقال السياسي، حتى وجدتُني أنسحب منه بهدوء، وكأنني أخلع عني رداءً لم يَعُد يشبهني، ابتعدتُ تماماً عن عالم لا أملك فيه شيئاً، وذهبتُ إلى مساحات أخرى، أكثر اتساعاً وأقل صخباً، مساحات اعتقدتُ فيها، أن ما أدركه من وعي سيجعلني أملك زمام أمري!
ثم تكشّف لي فيما بعد أن الوعي لا يمنحنا السيطرة على العالم؛ لأن العالم لا يسير وفق منطق يمكن الإمساك به أو التنبؤ به، ما يمنحنا إياه الوعي - في أحسن أحواله - هو طريقة للبقاء وسط هذا الاضطراب. وهنا تغيّر معنى الكتابة لديّ، لم تَعُد فعل إحاطة بالأشياء، بل وسيلة للتماسك، محاولة دائمة لئلا نسقط تحت وطأة فوضاها. كتابة لا تفسّر العالم بقدر ما تحمينا من الانهيار أمامه، وتمنحنا حداً أدنى من المعنى في زمن تتشوش فيه كل المعاني على امتداد تلك السنوات، انقطعتُ عن الكتابة مرات عديدة. كنتُ أظن الصمت خياراً نزيهاً حين يختلّ اتزاني، وحين لا تنضج مشاعري بما يكفي لأقولها بوضوح، كنت أتراجع كلما شعرت أن ما في داخلي لم يتشكل بعد إلى ما يستحق أن يُكتب!
ثم أدركتُ أنني كنت أحمّل الكتابة شرطاً قاسياً، وأتخيّل قارئاً ينتظر مني دائماً حضوراً متماسكاً وقوة لا تتزعزع، بينما الحقيقة أبسط من ذلك، فالقارئ لا ينتظر كمالنا.. بل صدقنا، لا ينتظر اكتمالنا.. بل محاولاتنا، ينتظر أن نخبره بلا تكلّف كيف نحاول أن نبقى، أن نشاركه ارتباكنا قبل يقيننا، وانكساراتنا قبل تماسكنا، لعلّه، مثلنا، لا يبحث عن إجابات بقدر ما يبحث عن صوت يشبهه، يهمس له بهدوء: «أنا مثلك.. أحاول فقط أن أبقى، أن لا أنطفئ في وجه هذا العالم».


