تم إرساله إلى الطبيب النفسي بعد ارتكابه خطأ ذريعاً بحق زميل له في المدرسة يصغره سناً. وعندما جلس في غرفة الطبيب النفسي وظل يلتفت يمنة ويسرة، وكأنه لا يعلم أين هو، وكان هذا التلميذ انتزع من الفصل الدراسي، وعلى مشهد من الطلاب الذين في عمره، وفي نفس المستوى الدراسي، أحس وكأن هجوماً ما شن ضده عندما وجهت له تهمة الاعتداء على زميله، ولكنه لم يستطع الدفاع عن نفسه لأن التهمة واضحة ودامغة، ولا مجال للتهرب من مسؤوليته تجاه ما فعله.
حاول الطبيب بوعي ودراية، أن يخاطب التلميذ كمريض وقع عليه الاتهام دون تقصي الحقيقة، ولم يتعامل معه كـ(متنمر) ومع الحديث المطول، والاستدراج، استطاع الطبيب أن يصل إلى مربط الفرس، وأن تتكشف له أسرار، وأخبار، حول الوضع الذي وصل إليه التلميذ، وبعد انتهاء الجلسة، رفع الطبيب رأسه، ونظر إلى التلميذ، وقال له شكراً لك، لقد أفدتني بمعلومات ما كنت لأحصل عليها لولا تعاونك، وثق أنني سوف أكافح كي أصحح الخطأ، فأنت ارتكبت الخطأ عندما اعتديت على زميلك، ولكن الخطأ الأكبر، ارتكبه والدك، لأنه تركك في ذروة النشاط الغريزي، وقمة العنفوان الجسدي تتوه في غابة بشرية، دون حسيب ولا رقيب، ولم تجد من يعضدك عندما تكبو، ولم تجد من يساندك عندما تحتاج إلى من يسندك كي لا تقع، وبالتالي نشأت لديك رغبة في الانتقام وشعرت أنك لا بد وأن تفكر في نفسك، ولا تدع الأمور تفلت منك، وعليك أن تختلق المشكلات مع الأضعف منك، لتثبت أنك لست ضعيفاً، وترى الدم يسيل من وجه زميل فترتفع معنوياتك، وتتضخم ذاتك، ويعلو كعب عقلك، وتشعر أنك قوي، وقادر أن تهزم أي شخص يتعرض لك، وإن لم يتعرض لك أحد، فيجب أن تتعرض لمن تراه مناسباً لتحقيق أهدافك النفسية، وأولها أن تثبت أنك قوي.
مشاهد أولية، نراها كل يوم، ويشكو منها أولياء الأمور، ويتهمون أبناءهم بالتنمر، وهذه أخطاء فادحة عندما نلقي اللوم على الأبناء، ونتجاهل السبب الرئيسي، وهو تنمر الوالدين أو أحدهما وهذه حقيقة معضلة إنسانية فظة، تحتاج إلى تغيير في الفهم، وتحول في الوعي، ومراعاة ظروف الأبناء الذين هم (متنمر، أو متنمر عليه). فكلاهما غلب على أمره، فأصبح فريسة للتنمر.
على المجتمع، ووزارة التربية والتعليم النظر في الأمر بجدية، لأن العلاج يبدأ من الوالدين وينتهي عند الأسرة، وبغير ذلك فلن ننجح في علاج المشكلة.. الطفل (المتنمر) لا يستطيع الدفاع عن نفسه، ولا التعبير عن المشكلات التي تدفعه لأن يمارس التنمر ضد غيره، ولذلك نحتاج إلى تدخل المؤسسة المعنية لكف الأذى عن هؤلاء الصغار، وتنظيف ساحتهم من الاتهامات.
أما عن شغب الصغار، فهذا أمر وارد في هذه المرحلة العمرية، ولكن المهم في الأمر، أن تقف المؤسسة الأسرية بالمرصاد لهذه السلوكيات والتدخل لمعالجتها، ومنعها من التطور إلى جريمة منكرة.


