الشكوى داء حديث يمكن إضافته لقائمة أمراض العصر، أو أمراض النعمة، فحين لا يكون أمام الإنسان مطلب يسعى إليه، أو معاناة تعكر صفو حياته، فإنه يغدو ويمسي شاكياً بدل أن يكون شاكراً، وانظروا حولكم بروية ستجدون أن الجميع دون استثناء لديه أمر ما لا يتوقف عن الطرق عليه شاكياً متذمراً، الزوج من تبذير زوجته، والزوجة من وجود زوجها خارج البيت أكثر منه في المنزل، الطلاب من مدارسهم، والمتقاعدون من عدم زيادة مرتباتهم، والموظفون من روتين المؤسسة وعدم كفاءة المدير، والمدير من بلادة الموظفين وعدم انضباطهم، وربات البيوت من غلاء الأسعار، والمقيمون من ارتفاع الإيجارات، والأطفال من صرامة «الماما»، و«الماما» من عدم وجود وقت تتفرغ فيه لنفسها ومتطلباتها، والإعلاميون لا تتوقف شكواهم، والشباب لن يسكتهم شيء عن الشكوى من عدم وجود الدعم والتشجيع والتوظيف، ثم ماذا؟
بعد أيام عدة سنشكو جميعنا من الحر - هذا إن لم نبدأ بالشكوى فعلاً - فالجو خانق (وطبيعي أن يكون خانقاً في مناخ صحراوي شديد الحرارة والرطوبة)، والمكيفات ما عادت تفيد وفواتير الكهرباء نار، فما هو المطلوب إذن؟ الحكومة لا تستطيع شيئاً فليس في الإمكان أبدع مما كان، ومن يستطيع الحصول على الأفضل، فليفعل لأن الشكوى لن تأتي بنتيجة ولن تغير الطقس، الشكوى مجرد عادة مستحكمة ومستفحلة، ومنذ القدم قال أحد الشعراء (كل من لا قيت يشكو دهره ..... ليت شعري هذه الدنيا لمن!
يقولون: «إن هناك شعوباً لا تشتكي، إما لأنها عرفت بتواتر الخبرة أن الشكوى استهلاك مجاني للأعصاب وخلايا الدماغ، وإما لأنها توصلت بالتجربة والبحث إلى خيارات وحلول ناجحة، بخلاف شعوب أخرى تبدأ نهارها تصب اللعنات والانتقادات على كل شيء، ثم تكمل اليوم وكأن شيئاً لم يكن، إنها قصة الاعتياد الذي يتحول بمرور الوقت إلى سمة شخصية أو جماعية، فالفرنسي مثلاً يبدأ يومه الشتائي بلعن البرد والصقيع والمطر، أما صيفاً، فلا يتوقف عن لعن الحر والعرق، بينما في الربيع الجميل المنعش يتوقف عن توجيه اللعنات، لكنه يظل يذكر نفسه طيلة الوقت بأن أيام الربيع قصيرة، وأن الخريف آت بسرعة البرق وسيتبعه الشتاء اللعين»!
انظر إلى الإيطالي الذي لا يلتفت إلى الطقس أبداً، لأنه يقبله كما هو بارداً كان أم حاراً، فإذا كان بارداً هرب يتدثر بمعطف سميك، وإذا كان ربيعياً بحث عن حديقة وصديقة، وإذا كان خريفاً بحث عن رفاق طيبين، وأعد معهم سهرة ذات بهجة، هذه الطريقة الإيطالية في التعامل مع تقلبات الظروف هي الوصفة الأفضل لنقبل الحياة ونستمتع بها، دون أن نفقد شهية إصلاح الأخطاء الكبيرة التي تفسد حياتنا، فالحياة لا تتفق مع مبدأ مراكمة السيئات، والسكوت على الأخطاء بطبيعة الحال!
الناس تتبرم من الملل ومن مضي الوقت الطويل دون أن يتمكنوا من عمل شيء يدخل البهجة إلى نفوسهم، فإذا سألتهم هل حاولوا أن يتحركوا باتجاه عمل ما، سكتوا، حيث لا جواب، مع أننا في مجتمع فيه من خيارات قضاء الوقت الممتع ما يغني عن باب «أين تذهب هذا المساء»؟ الذي تخصصه بعض الصحف لقرائها في بعض الدول، نحتاج فقط أن ننتبه قليلاً، فنحن أحياناً نشكو من كل شيء فقط، لأننا اعتدنا على ذلك أو لأنه ليس هناك ما ننشغل به، بينما ما ينتشلنا من هذه الحالة هو الوعي بظروف الحياة التي نعيشها، وخطورة الوقت الذي يتسرب من بين أيدينا، وعدم تفكيرنا في الحل بدل الغرق في شبر «مية»!


ayya-222@hotmail.com