هل فقدت لمستها السحرية؟ بهذا السؤال عنونت الـ”صنداي تايمز” اللندنية مقالة ضافية عن النكسة التي أصابت الروائية البريطانية جيه. كيه. رولينغ. والنكسة تمثلت في عزوف القراء عن شراء روايتها الجديدة التي صدرت قبل أيام. لم يصطفوا أمام المكتبات قبل أن تفتح أبوابها، كما فعلوا في السابق. لن يجعلوا الأرقام الفلكية تداعب عقول المؤلفة والناشرين، سواء من حيث عدد النسخ، أو عدد الطبعات، أو عدد اللغات المترجم إليها. فعلتها رولينغ في السابق. كسرت كل الأرقام القياسية، عندما نشرت أولى روايتها “هاري بوتر”. تلك الشخصية السحرية التي اقتحمت مخيلتها، في رحلة كئيبة ومملة، في قطار آخر الليل بين أدنبره ولندن عام 1997، لتنتهي من سبع روايات في سلسلة واحدة عام 2007. فتسجل 450 مليون نسخة (منها عشرة ملايين بيعت في اليوم الأول لصدور الجزء السابع)، و620 مليون جنيه (حوالي مليار دولار) ربحا صافيا للمؤلفة، وترجمة إلى 47 لغة، بالإضافة إلى ثمانية أفلام سينمائية ضخمة الإنتاج، باعتبار إن الجزء السابع أنتج بفيلمين. هاري، الصبي الساحر ورفاقه في الإمبراطورية الغامضة، كانوا التعويذة التي حققت النجاح الذي لم ينله أي مؤلف آخر على امتداد التاريخ. خلطة من حكايات الأساطير ومغامرات الخيال وخبرات الحياة في مسألتي الخير والشر، صنعت مجد “هاري بوتر”. لكن عندما عادت رولينغ إلى الواقع، أو ما يشبهه كانت الخيبة في انتظارها. فأين السبب؟ لم أقع في الملاحق الأدبية البريطانية والأميركية على إجابة واحدة عن هذا السؤال. كلهم جلدوا جيه. كيه. رولينغ وروايتها الجديدة، ومن لم يفعل اكتفى بموقف بارد، كما فعلت “الجارديان” والـ”نيويوركر”. في الرواية الجديدة The Casual Vacancy (الفرصة الشاغرة)، تعود رولينغ إلى القرن التاسع عشر لكي تنقل صورة من الانقسام الطبقي في المجتمع الريفي البريطاني. تبني قرية إنجليزية خيالية، وتقود الصراعات فيها الى مقتل عمدة القرية. هنا خذل الخيال المؤلفة. تفلّتت من صفحاتها تلك المواءمة الضرورية بين ابتكار المكان والحدث، وتوثيق مجريات التاريخ. والتاريخ بالنسبة للإنجليز ليس عرضة للتأويل، أو موضوعا لوجهات النظر. هو تاريخ مثبت، مدوّن، وذائع. لذلك فإن استلهامه في عمل روائي يحتاج إلى حرفية عالية، كما فعل أساطين الرواية الإنجليزية، حتى ولو تسللت إليه شطحات الخيال. لا يمكن لعمدة القرية وسكانها أن يكونوا على شاكلة هاري بوتر وأساتذة وتلامذة مدرسة هوجورتس للسحر والشعوذة. لم تتوقف رولينغ كثيرا عند هذه المسألة، بل ركزت مع ناشريها ـ في الحملة الدعائية ـ على أن روايتها الجديدة مخصصة للكبار. وعندما نقّب النقّاد عن هذه الخاصية، خرجوا بمعلومة مفادها إنها وابتداء من الصفحة السابعة عشرة أخذت تستخدم كلمات نابية في النص والحوارات. هل أفرغت جيه. كيه. رولينغ كل مخزونها في الأجزاء السبعة من “هاري بوتر”؟ لا أحد يعرف الإجابة غير رولينغ نفسها. لكن نزعة المقارنات تحيل إلى قضية شبيهة في تراثنا الأدبي القديم والمعاصر. أولئك الذين نسميهم أصحاب الواحدة، أو “بيضة الديك” كما يسميها العامة. وقد أحصى الباحث العراقي محمد مظلوم في كتابه “أصحاب الواحدة: اليتِيْمَاتُ والمَشْهُوراتُ والمَنْسِيَّاتُ مِنَ الشِّعرِ العربيِّ” 40 شاعرا من الصعاليك، والمتصوفة، واللصوص، والمجانين، والمنبوذين الذين ترك كل منهم أثرا واحدا في حياته، فأسسوا معا ما يمكن تسميته “الثقافة المنشقة”. صنع عالم السحر مجد جيه. كيه. رولينغ الأدبي.. ولعلها تدخل به نادي أصحاب الواحدة بقوة مضاعفة سبع مرات... adelk58@hotmail.com